مجالس التدبر: سورة الأنفال

تدبر سورة الأنفال

تفريغ موقع إسلاميات

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بين أيدينا اليوم سورة عظيمة من سور القرآن ؛ سورة الأنفال، تلك السورة التي نزلت بعد غزوة بدر مباشرة ، حتى سماها بعض المفسرين “سورة بدر”. هذه السورة العظيمة نزلت تعالج أحداث غزوة بدر والنتائج المترتبة عليها. ولكن قبل أن ندخل في تفاصيل تدبر سورة الأنفال ، علينا أولاً أن نستحضر قاعدة مهمة من قواعد التدبر تتمثل في أن هذا القرآن العظيم بكل سوره وآياته لا يتنزل على قلوب لاهية . لا يتنزل على قلوب أنهتكها هموم الحياة وصراعات الحياة ومتاعب الحياة وأبعدتها الدروب عن كتاب الله العظيم. القرآن الكريم لا يتنزل إلا على قلوب قد أقبلت عليه ، قلوب أقبلت تستنطقه، تستهديه، تريد منه إجابات تريد منه حلولا ، تريد منه مخرجاً لما يحل بها وينزل . هذا هو القرآن العظيم. لذا ربنا عزّ وجّل نبّه نبيه صلى الله عليه وسلم ، ونبّه عباده و ليس فقط الأصحاب الذين نزل فيهم القرآن ، وهم جيل التنزيل، وإنما لكل جيل ولكل وقت إلى قيام الساعة . فالقرآن لا يتنزل إلا على القلب (نزله على قلبك) قلب أقبل على الله بكليته ، قلب يؤمن بأن القرآن له القدرة على الشفاء من كل مرض ، وأنه له القدرة على أن يعالج مشاكل الفرد والمجتمع والأمة والعالم بأسره . قلب يؤمن بأن القرآن الكريم نور وهداية وشفاء وبصائر لكل ما في القلوب ، ولكل ما يمر به الإنسان من محن ومسائل ومشاكل. القرآن الكريم أنزله الله عزّ وجّل ليكون كتاب هداية .

حين أقرأه وأنا أمر على أحداث تاريخية كغزوة بدر كتلك التي تناولتها سورة الأنفال ، لا أنظر إلى الحدث وكأنه حدث تاريخي مرَّ وانتهى ، و فترة تاريخية انتهت بكل ما فيها، وإنما أقرأه وأتلوه بتدبر وتمعن ، وكأنه يتنزل عليّ الآن . أتعلم منه كيف أربط ما مضى وما مرَّ به النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالواقع الذي أعيش فيه ، وبالأزمة التي أعاني منها، وبالأسئلة التي أطرحها وتُطرح عليّ اليوم، فيأتي العلاج من كتاب الله عزّ وجّل شافياً كافياً وافياً.

ومن قواعد التدبر في القرآن كذلك ، التعايش مع الأجواء التي نزلت فيها السورة ، الأنفال نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر. في تلك الأثناء وفي تلك الأوضاع التي مرَّ بها المسلمون في غزوة بدر كان المسلمون قد خرجوا من مكة مهاجرين بأنفسهم . تركوا كل شيء وراء ظهورهم ، ترك الكثير منهم المال والولد والأسرة والعمل والتجارة وكل ما لهم في الدنيا وراءهم في مكة وخرجوا فقط بدينهم ، خرجوا بإيمانهم ، خرجوا مهاجرين من أوطان كانت تعز عليهم ؛ فكلنا نعلم ما لمكة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ولكن مع ذلك عندما اقتضى الأمر أن يخرج ويغادر خرج وترك لله ولدينه وللحقّ الذي آمن به والذي سار عليه وتبناه. في تلك الأثناء عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بدأ حياة جديدة وببناء دولة فتيّة وصغيرة . بكل الحسابات والمقاييس المادية لا تسمى دولة ، إنما مجموعة من الأشخاص ، لا أموال ، لا عشيرة ، لا أولاد لهم . كل ما يمتلكونه إيمان صادق ويقين بالله عزّ وجّل يستطيع أن يبني على الجبال الراسيات ويؤسس . وفعلاً هذا المخزون العظيم لهذا الإيمان وهذا اليقين ، هوالمحرك الأول والدافع الأول لبناء الدولة الأولى في تاريخ الإسلام. في تلك الأثناء كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه لأن يتعقبوا ويترصدوا في السرايا المختلفة تحركات قريش، قريش تلك القبيلة والدولة الحقيقية ، ليس بمعنى مقومات دولة ، ولكن بمعنى العناصر المادية المتوافرة لها في مكة.

كانت لها رحلات تجارية بين مكة وبين الشام واليمن ، وهذه الرحلات كانت كعادة قريش وعادة القبائل لا تعود إلى مكة . قال أبوجهل : ( ننحر الجِمال ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتفرّق علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وبجمعنا فلا يزال العرب يهابوننا أبداً بعدها) . إذاً أبوجهل لم يخرج به الحق ، لم يخرجه العدل ، لم يخرجه نصرة مظلوم ، وإنما أخرجه التباهي والتكبر والتعجرف والتفاحر. وهنا فقط نستطيع أن نحدد بداية الهزيمة التي وقعت مع قريش في غزوة بدر. بداية الهزيمة بدأت في النفس ، و في نفوس المشركين . وبداية النصر جاءت مع المسلمين في الجهة المقابلة. بداية الهزيمة بدأت مع قريش عندما أخرج أبوجهل تكبره وتعجرفه وعنجهيته وتصوره بأن النصر لا يكون إلا من قبيل امتلاك القوة المادية. دعونا نرى على الطرف المقابل كيف كانت بدايات النصر في قلوب المؤمنين ، و في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

لقد أطلع النبي صلوات الله وسلامه عليه أصحابه على الوضع وبدأت تضاريس المعركة تتغير. لم تكن هناك معركة . النبي صلى الله عليه وسلم خرج بأصحابه إلى بدر لا لأجل معركة ولا لأجل قتال ، ولم تكن هناك عُدّة ، ولم يكن هناك استعداد لقتال المشركين. الأمر كان للخروج لأخذ القافلة والتربص بها ثم العودة . لم يكن هناك استعداد ، لم تكن هناك تهيئة نفسية لمواجهة عدو. أطلع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الوضع فقال لهم ما ترون؟ ودعونا نتأمل أو ننظر في كيفية معالجة هذا القرآن العظيم ، لأن من أنزله هوالله الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. أظهر سبحانه وتعالى هذه الحقيقة الكامنة التي لم يبح بها المسلمون ، وأصلاً هي كانت في صدروهم . لم يبوحوا بها لأحد ، أطلعها الله عزّ وجّل ، حيث يقول : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوكَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8)) . هذه الآيات تبين الحقيقة التي كانت في نفوس وصدور المؤمنين آنذاك . لم يكونوا متأهبين فلم يريدوا الخروج للقتال ؛ ليس خوفاً وليس جبناً أو خشية على شيء . في تلك الأثناء ، تلك النفوس العظيمة ؛ نفوس الصحابة رضوان الله عليهم في غزوة بدر كان قد عالجها اليقين والإيمان بالله . كانوا يخافون على هذا الدين من هزيمة تلحق بهم ، وهم لا يزالون في بداية بناء الدولة الإسلامية . الخوف لم يكن على أنفسهم ؛ فلقد ضحوا بالغالي والنفيس، هم خرجوا من مكة وتركوا كل شيء وراء ظهورهم . ما كان الخوف على النفوس ، ولا كان على أموال ، ولا كان على شيء من متاع الدنيا الزائل . كل الخوف والمشاعر كانت على هذا الدين ؛ فجاءت هذه الآيات لتخرج هذا الخوف من القلوب ، وتبين أن خروج المؤمنين للقتال في غزوة بدر، وتحول المسألة من قضية خروج لأخذ العير إلى مسألة مواجهة وقتال ومعركة مع المشركين ، ما كان إلا لأجل إحقاق الحق وإبطال الباطل . وهذه هي الرسالة العظيمة التي ينبه عليها القرآن ليس فقط لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما لكل جيل ولكل فرد ، لكل مؤمن ، لكل مجتمع ، لكل جماعة ، لكل العالم ، حول أن البدايات لا بد أن تكون صحيحة، خروجك لا بد أن يكون لله، خروجك لا بد أن يكون لقضية، لهدف عظيم .

لا بد لي حين أدخل أو أخرج من أي صفقة ، أن يكون ذلك لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، و ليس لأي شيء آخر من متاع الدنيا.

الآن نبدأ نقارن الغاية التي لأجلها خرج المشركون ، وهي حب الدنيا والتباهي والتفاخر بمتاعها الزائل ، وإظهار التكبر والعنجهية ، وأنني صاحب قوة عظمى وأمتلك القرار وأستطيع أن أسيّر العالم كما أشاء . إنها عنجهية الإنسان المغرور الذي لا يعلم أنه لا يساوي ولا حتى جناح بعوضة في قيمته الحقيقية عندما ينتكس انتكاسة الكفر والباطل . هذه العنجهية كان يقابلها يقين وإيمان بالله من قِبل المؤمنين ، ولذلك ربي عزّ وجّل قال : (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ) ، أنت خرجت ، حين خرجت من مكة لم تخرج بنفسك. قام سعد بن معاذ من الأنصار- لأنه شعر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يسمع منهم – ؛ على اعتبار أن الأنصار قد عاهدوا النبي عليه الصلاة والسلام على حمايته وعلى نصرته في حدود المدينة . والآن هناك معركة ، الآن هناك خروج الآن المسألة خارج نطاق المدينة ، قام فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: ( لعلك تريدنا يا رسول؟ قال أجل، فقال سعد: يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك عل ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامضِ يا رسول الله لما أردت فوالله لا يتخلف عنك اليوم منا رجل واحد ولو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً إنا لصبرٌ في الحرب صدقٌ عند اللقاء ولعلّ الله أن يريك منّا ما تقرّ به عينك فسر بنا على بركة الله ) . حُسمت معركة بدر في قلوب هؤلاء المؤمنين الذين حملوا الغاية والإيمان واليقين بالله عزّ وجّل. النبي عليه الصلاة والسلام سُرّ بهذا القول فقال لسعد وأصحابه من حوله : (سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم ). حُسمت المعركة ، انتهى الأمر عندما تأكد أول قانون من قوانين النصر ؛ أن النصر الحقيقي في الإيمان و اليقين و قوة الإرادة و الهدف الذي يخرج الإنسان لأجله والغاية العظمى.

قبل أن نسترسل في أحداث غزوة بدر دعونا نتوقف عند البداية ، أول آية في سورة الأنفال ربي عزّ وجّل يقول فيها : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) . الأنفال هي الغنائم . السؤال كان عقب الانتهاء من غزوة بدر؛ فلقد تساءل المسلمون عن الغنائم وقسمتها، انتهت المعركة بفوز المسلمين فوزاً ساحقاً وكان هناك غنائم أي شيء من متاع الدنيا ، فكان الصحابة يتساءلون عنها ، وحول ذلك هناك حديث عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : فِينَا مَعْشَرَ أَهْلِ بَدْرٍ نَزَلَتْ ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَانْتَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا حِينَ سَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَرَدَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَسَمَهُ بَيْنَنَا.

انظر إلى التعبير: ساءت أخلاقنا. هؤلاء النخبة هؤلاء الصفوة من البدريين الذين قال عنهم النبي عليه الصلاة والسلام : ( لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم قد غفرت لكم اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم ) ، نزلت في هؤلاء وهم يقولون قد ساءت أخلاقنا. وهنا لا بد أن ننتبه إلى مسألة حساسة جداً ، وهي أن المؤمنين على درجات ؛ المؤمنون منهم المقربون ؛ أعلى الدرجات، منهم الأبرار، ومنهم أصحاب اليمين. سيئات المقرّبين هي حسنات الأبرار، يعني سوء الخلق الذي تحدث عنه الصحابي هنا ليس سوء الخلق ؛ من حيث كونه أخلاقا بذيئة أو كذبا ، حاشاهم ، أومما يمكن أن يتبادر إلى أذهاننا اليوم حول سوء الخلق.

سوء الخلق الذي يتحدثون عنه هو أنهم يتساءلون عن قسمة الغنائم بعد غزوة بدر؟! ياالله! يلومون أنفسهم كيف نطقت ألسنتهم بالسؤال عن قسمة الغنائم بعد غزوة بدر، يلومون أنفسهم.

لا ينبغي أن نسأل عن قسمة الغنائم ، وإنما نترك الموضوع للنبي صلى الله عليه وسلم يقسّمه ويراه كيفما يشاء فيه. انظروا إلى عزة الإيمان!.

أيّ مرحلة من الإيمان والشموخ وصل هؤلاء النفر؟ إنهم يعتبرون أن مجرد التفكير بمتاع الدنيا الزائل هو من سوء الخلق بعد نصر مؤزر في غزوة بدر! ودعونا نتأمل كيف كانت الإجابة في سورة الأنفال التي تتألف من خمس وسبعين آية .

السؤال عن قسمة الغنائم جاء في الآية الأولى ، والإجابة عنه جاءت بعد أربعين آية من سورة الأنفال ؛ يعني بعد أكثر من نصف السورة. هذه الأربعون آية عن أي شيء كانت تتحدث؟ ربي عزّ وجّل في الآية الأولى قال : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ) فلم يجب . قال أول شيء : (قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ) ، الدنيا والغنائم وبكل ما فيها لمن؟ لله والرسول، لا تسأل عن القسمة، الإجابة عن القسمة جاءت في الآية الأربعين . أربعون آية ، ربي عزّ وجّل يؤدب ويعلّم ويوجه فيها البدريين المنتصرين – وليس فقط البدريين المنتصرين – ولكن كل الأجيال ، يوجهنا نحن أبناء اليوم أن النصر لا يأتي من خلال التركيز على القضايا المادية ؛ فالنصر له قوانين الفوز له قوانين ، وإن كان منها الأخذ بالأسباب المادية ، لكن الأهم هو التفاعل مع الواقع الذي يعيش فيه الإنسان . هذا الإيمان العظيم هو الذي تحدثت عنه سورة الأنفال في أول قانون من قوانين النصر فيها. ويا سبحان الله العظيم ! بعد الآية الأولى تأتي أربع آيات تتحدث عن هذا النوع من الإيمان يقول الله عزّ وجّل فيها : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3) أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)) . إذاً الإيمان الذي اعتبرته الآية أنه بالفعل هو أول قانون من قوانين النصر، له دلائل وله علامات، هو ليس مجرد ادّعاء، هو إيمان له مقاييس و موازين ، وكلنا نعلم أن الإيمان يزيد وينقص في نفس المؤمن و في قلبه ، ولذلك يستطيع الإنسان المؤمن أن يقيس درجة الإيمان لديه. أول درجة من درجات هذا الإيمان والمقياس وهو تنبيه – كما ذكرنا قبل قليل- لكل من أراد أن يواجه أحداً من الناس ، ولكل مجتمع يريد أن يواجه فئة من الكفار أوممن ابتعدوا عن منهج الله عزّ وجّل. قبل أن تبدأ بالمواجهة عليك أن تقيس درجة الإيمان لديك، ألا نرى تدريبات الجيوش يقومون ببعض التدريبات وبعض الطلعات قبل المواجهة الحقيقية ، هكذا ولله المثل الأعلى على المؤمن . والمجتمعات كما تعتني بتدريب الجيوش تدريباً عسكرياً وإستراتيجياً على حمل العتاد وحمل الأسلحة والمواجهات ، عليها كذلك أن تتأكد من قضية مقياس وميزان الإيمان في النفوس، عليها أن تهتم بتربية الجيوش التربية الإيمانية باليقين بما أنا قد خرجت إليه .

أعظم دافع لنجاح الجيوش هو القوة المعنوية ؛ أن يتأكد هذا الجندي الذي يحمل العدّة ويتيقّن بعدل القضية التي لأجلها خرج . فإذا لم يكن لديه ذلك الإيمان بالقضية التي خرج لأجلها ، مهما بلغت القوى المادية التي يمتلكها ومهما بلغ التدريب الإستراتيجي الذي قُدّم له ، وهو يحمل السلاح ، ستصبح اليد التي تحمل السلاح يداً ضعيفة ، يداً واهية خائرة القوى ، لا تستطيع أن تمسك ولا حتى بعصا من خشب ولذلك ربي عزّ وجّل عندما وضع قانون الإيمان ، وأكّد أن هذا أول قانون من قوانين النصر أعطى المؤمنين والقادة العسكريين كيفية قياس هذا الإيمان. وأنا أرى – والله أعلم – أن النبي عليه الصلاة والسلام حين عرض الأمر على المهاجرين والأنصار أراد بذلك أن يتأكد ويوجه القادة العسكريين أنه عليهم قبل الاستنفار، وقبل البدء بالمعركة التحدث إلى جنودهم و جيوشهم وجهاً لوجه، والنظر في قضية الإيمان التي هم قد خرجوا لأجلها. النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك مع أصحابه، أراد أن يتأكد من هذه القضية وقد فعل ، حينما خرج المقداد من المهاجرين وخرج سعد بن معاذ ليقول القولة المعروفة في ذلك ليتأكد من هذا. ما أعظمه اليوم من توجيه! أنا هنا أتساءل ، قلنا قبل قليل إن من أهم قواعد التدبر والإفادة من هذا الكتاب العظيم أن أتأكد تماماً أني على قدرة ، وأنا أقرأ هذا القرآن العظيم على أن أربط ما أقرأ من القرآن بالواقع الذي أعيش . وأنا أقول وأوجه هذه الكلمة لكل القادة العسكريين ولأصحاب الجيوش ، ومن يوجه الجيوش ويقودهم ويخرجهم ، قبل أن تخرج مع الجيش اجلس مع هؤلاء الجنود وجهاً لوجه ، تساءل معهم وتحدث معهم عن إيمانهم بالحقيقة التي لأجلها يخرجون ، تأكد أن الذي يخرجهم ليس متاع الدنيا الزائل، ليس السيطرة على مقدرات الشعوب ، و ليس نهب مقدرات الشعوب والسيطرة عليهم وإظهار أنني أنا القوة العظمى. تأكد أن الذي يخرجهم هو الإيمان بالعدل، و أنهم لا يخرجون إلا إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل ونصرة للحق . إذا تأكدت من هذا اعلم أن النصر معقود بأول قانون من قوانين النصر. ولذلك – ولله درّ النبي صلى الله عليه وسلم – حينما قال : ( سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين)، تحقق النصر رغم أن المسلمين آنذاك لم يذهبوا إلى بدر بعد، ولم يواجهوا أحداً من المشركين بعد، ولكن المعركة حُسمت من البداية، متى حُسمت ؟ ولذلك جاءت الآية : (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) الإيمان يزداد حينما تتلى عليه آيات القرآن. نحن الآن ، ونحن نتذاكر ونتدبر هذا القرآن إيماننا يزداد . ولكن الشرط لأجل أن يزداد الإيمان عليّ أولاً أن أصفّي أوعية الإدراك الموجودة عندي عليّ أن أنقي القلب الذي هو محل تنزّل هذه الآيات من الحقد و الغش و الحسد و البغضاء و كراهية الآخرين . نتأمل مع بعض كيف ربطت الآية الأولى عندما يقول الله عزّ وجّل : (فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ) . كيف تنتصر الجيوش وقلوب الأفراد و الجنود متنازعة متنافرة متباغضة ؟! قد فرّقتها أودية الدنيا وتفاهات الدنيا. النصر لا يأتي من خلال ذلك . الإيمان يزداد عندما يكون القلب بالفعل قد رسخت فيه معاني الإيمان وازدادت وضوحاً : (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) ، جاء بالتوكل فمن قوانين النصر إيمان وتوكل ؛ توكل على أن القوة المادية التي في يدي مهما كانت متواضعة أوبسيطة لابدّ أن أعدّ العدة ، و أن أتأكد تماماً بأن هذه القوى المادية لوحدها لا تستطيع أن تفعل فعلها في الفوز والنصر، فأحتاج إلى جانبها الإيمان و التوكل بأن من يمتلك أسباب النصر وتأثيرها ، هوالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

ثم جاءت الآيات التي بعدها مكمِّلة للقانون الأول ؛ قانون الإيمان : (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) ، هؤلاء الذين خرجوا جنودا وأفرادا استطاعوا أن يقيموا الإيمان في حياتهم ، أقاموا الصلاة بخشوعها وهيبتها وأركانها وبواجباتها وشروطها . ولنا أن نتدبر في هذه الوقفة ما علاقة الصلاة وإقامتها بالنصر في المعركة ؟ إن من أعظم أسباب النصر وتأكيد الإيمان الصلاة ، إقامة الصلاة ليس بمعنى فقط القيام والركوع والسجود، لا، إقامة الصلاة كعنصر مهم من عناصر تغذية الروح وتقوية النفس وتقوية القلب الذي به وعليه مدار الفوز والخسارة . الصلاة المقصودة هنا هي التي ذكرتها سورة البقرة عندما يقول الله سبحانه وتعالى : (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)) . من أعظم عوامل الاستعانة في مواقف كتلك التي تتحدث عنها سورة الأنفال هي إقامة الصلاة . شعور الجندي أو الفرد أو القائد بأن لديه محطة يتزود منها بوقود الإيمان، من خلال الصلاة ، والتوكل على الله، والاستعانة به .

وهكذا تتسلسل الآيات في تدرج رائع لتقدم للمؤمنين قانوناً بعد آخر من قوانين النصر في غزوة بدر. وهنا مرة أخرى نتساءل ما الذي أخرج المؤمنين أول مرة قبل أن تتقرر غزوة بدر؟ هل أخرجتهم العير؟ هل كان الذي أخرجهم الحصول على العير وقافلة قريش؟ هل الذي أخرجهم الماديات؟ أبداً، هم تركوا كل شيء وراء ظهورهم، خرجوا بدون أي شيء سوى الإيمان واليقين بالله . لم يكن الذي أخرج المؤمنين من المدينة ومن يثرب للقاء عير قريش الماديات ، ولا التجارة ولا الأسباب المادية ، ولا الحرص على مال ، أو جاه ، أو سلطة ، أو تباهٍ وتفاخر أمام العرب وقبائل العرب ، الذي أخرجهم إحقاق الحق وإبطال الباطل. حتى العير التي خرجوا في البداية لها قال لهم النبي عليه الصلاة والسلام : (لعل الله أن ينفلكموها ويهبها لكم) ، إنما أرادوا بها قوة وزيادة وعزة للإسلام وللمسلمين.

يأتي بعد ذلك في الآية التاسعة من سورة الأنفال قانون جديد من قوانين النصر، يقول ربي عزّ وجّل : (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9)) . ما زال الكلام عن قوانين النصر واحدا تلو الآخر، لا يكفي فقط إيماني بالله ، ولا يكفي تفقدي للحق وللعدل في نفسي وحياتي وأسرتي ومجتمعي ، ولا يكفي فقط أن أتأكد أن الغاية التي لأجلها خرجت هي الحق وإحقاق الحق ، وإنما احتاج أن أقف وقفة صدق مع نفسي ووقفة استغاثة بالله عزّ وجّل ، ولكن ما معنى الاستغاثة هنا؟ ما معنى قول الله عزّ وجّل (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ)؟ الاستغاثة عمل من أعمال القلوب. من يستطيع أن يحرك جيوش الملائكة سوى الله عزّ وجّل؟ أنا كمؤمن اليوم حين أقف في جيش ، ألا أحتاج إلى أن أقف مع نفسي وأفكر كيف أستطيع أن أجعل الله عزّ وجّل يمدني بجيوش الملائكة؟ ألا أفكر؟ كيف أستطيع أن أستمد هذا المدد من الله عزّ وجّل؟ ما هو المحرك والدافع الذي يحرك هذه الجيوش؟ لا تحركها إلا استغاثتي بالله عزّ وجّل. ولذلك قبل أن أوجه نداء استغاثة للشرق أو للغرب ، عليّ أن أوجه نداء استغاثة للحق للواحد الأحد الذي يمتلك أن يحرك جيوش الملائكة نصرة وتأييداً للمؤمنين ، ولذا ربي عزّ وجّل أردفها بالآية الأخرى : (وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ، قانون آخر من قوانين النصر يتمثل في أن أؤمن بأن النصر لا يأتي من خلال تحالفي مع الشرق والغرب، ولا من قبيل استجداء مرضاة جيوش الشرق والغرب . النصر لا يأتي من قبيل تحالفي مع القوى العظمى ، لا والله ، النصر لا يأتي إلا من قبيل تحالفي مع من يملك النصر، وهو الله سبحانه وتعالى. النصر يأتي حين أدخل في عهد وميثاق مع الله ، النصر يأتي حين أستجدي وأستغيث بمن يملك القوة والنصر، وهو الله سبحانه وتعالى وحده شريك له. وأنا أتساءل هنا ، وهذا من قواعد التدبر أن نربط ما بين القرآن و الواقع الذي نعيش فيه ، أتساءل : كيف أتوقع أن يكون مستوى الإيمان لديّ قد وصل إلى حد النصر، وأنا حين أوجه الاستغاثة و الاستعانة ، أوجهها أول ما أوجهها شرقاً وشمالاً وغرباً وجنوباً! ولم أفكر ولم يدر بخلدي أن أوجه الاستغاثة أولاً لمن يملك النصر، وهو الله سبحانه وتعالى ، أين إيماني؟ أين حقيقة إيماني؟ أليس لكل شيء حقيقة؟ فأين حقيقة إيماني؟! أنا أؤمن بأن الله واحد ، أنا أؤمن بأن الله عزيز، أنا اؤمن بأن الله قوي ، أنا أؤمن أنه ما في هذا الكون من ورقة على شجرة إلا وهو الذي يحركها إن شاء، ويوقفها ويُسْكنها إن شاء. لما أنا آمنت بهذا الرب و تيقنت بصفاته سبحانه ، ألا يكون لهذا الإيمان صداه في حياتي؟! ألا يكون لهذا الإيمان مردود في واقعي في حياتي؟! ألا أتوجه الوجهة الصحيحة ، وأدرك قبل أن يفوت الأوان أن النصر بيد الله ، و ليس بيد قوة عظمى . إن القوة الحقيقية هي بيد الله : (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ).

تتوالى الآيات مؤكدة قوانين النصر، سورة الأنفال نستطيع أن نقول إنها جمعت وحوت كل قوانين النصر، وكذلك أكدت قوانين الهزيمة لتجنبها وعدم الوقوع في براثنها. القانون الآخر الذي تناولته سورة الأنفال من قوانين النصر، هو قانون الثبات. الآن أنا كمؤمن وكجيش أدركت أن قوانين النصر في إيماني بالله وتوكلي عليه ، وإيماني بالحق ، وإيماني بالعدل ، وإيماني بأني لم أخرج رياء ولا سمعة ولا تباهياً ، ولا حفاظاً على سلطة ولا على حكم ، ولا علي أيّ شيء من متاع الدنيا ، وإنما للحق ، فقط للحق وإحقاق الحق. عليَّ أن أثبت على ما أنا فيه، الثبات، الاستمرار، التواصل، يقول الله عزّ وجّل في الآية الخامسة عشرة : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ) اثبت، ارسخ، مهما تكشف لك من القوة المادية وأسبابها التي يمتلكها الطرف الآخر الذي تواجهه . إياك أن توليه الأدبار، إياك أن تنهزم، إياك أن تخسر المعركة، و أن تعتقد ويدور بخلدك أن الذي يمتلك أمامك الأسباب المادية ، وهي أكثر مما تمتلك سيهزمك بهذه الأسباب، الهزيمة والنصر بيد الله . دعونا نربط بين هذه الآية وما وقع في غزوة بدر ؛ في تلك الغزوة سأل النبي عليه الصلاة والسلام بعض العيون والأخبار عن عدد قريش ، فتأكد له أن عدد الفرسان الذين خرجوا من قريش قاربوا الألف بالعدة والعتاد ، وهم مستعدون وعلى أتم الاستعداد للمواجهة والقتال ، نفر إلى أصحابه فوجد أن أصحابه لا يتجاوز عددهم الثلاثمائة بدون عدة ، ما فيهم إلا فرس واحد بدون عدّة للقتال ، فهم لم يكونوا أصلاً مهيئين للقتال ؛ فليس هناك عدة ، ليس هناك أسلحة وليس هناك شيء، ألف مقابل ثلاثمائة، ألف بكل العدة، صحيح أنتم أمسكتم بها ورميتم بها وكانت أشياء بسيطة لم تُحدث أثر القتل بيد نفسها، من الذي قتل؟ الله عزّ وجّل. من الذي جعل الحجارة حين يرميها طفل صغير صاحب حق في وجه مُعتدٍ أو غاصبٍ أثيم ؟ من الذي يجعل هذه الحجارة تبلغ ما لا تبلغه الدبابات والصواريخ ؟ من الذي يجعل لهذه الحجارة والصدور العارية المواجهة – وهي تحمل إيماناً ويقيناً وحقاً – أثراً أعظم من أثر الدبابات والصواريخ ذات المدى والأثر البعيد؟ مَنْ؟ إنه الله سبحانه وتعالى : (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكن الله رمى) . اثبت كجندي ؛ فأنت صاحب حق . كل ما هو مطلوب منك أن تثبت في ساحة المعركة ، وألا تخشى الأدوات ووسائل القتال الموجودة أمام عينيك وأمام ناظريك ، لا تخشَ دبابة ولا تخشَ صاروخاً ولا تخشَ أي شيء ، فكل ما تخشاه هو الله وحده . اثبت في المعركة ؛ فهذا هو دورك، دورك هو الثبات ، لكن تأثير الثبات و الفعل الذي ستقوم به اتركه على الله و على من اتخذته وكيلاً ، وكفى به وكيلاً وكفى به حسيبا ، نعم المولى ونعم النصير. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى) ، يا سبحان الله العظيم! الثبات على الطاعة هو ما نحتاج إليه اليوم. هناك قصة معروفة حدثت مع الإمام أحمد بن حنبل تذكرنا بقضايا الثبات على الحق ؛ لأن هناك كثيرا من الناس يبدأ بالحق ، لكن يصعب عليه أن يثبت ، و خاصة عندما يرى قوى الباطل من حوله قد تكاثرت ، و يرى الظلمات ؛ ظلمات الباطل قد تكالبت ظلمة بعد ظلمة ، ظلمة فوق ظلمة ، فيبدأ يحدث عند الإنسان شيء من الزعزعة ، فيحتاج إلى قوة من الإيمان وقوة من القرآن لكي يثبت بهما. الإمام أحمد يروى عنه بأنه كان يذكر ويترحم شخصاً من الأشخاص أمام ابنه كثيراً ، ففي يوم من الأيام سأله ابنه يا أبت أراك تذكر فلاناً كثيراً فمن هو هذا الشخص؟ أهو أحد العلماء؟ أهو أحد الناس الذين تدين لهم بالفضل؟ فقال الإمام أحمد بن حنبل: هذا الشخص الذي أذكره كثيراً لص سارق ، قاطع طريق، فتعجب ابن الإمام أحمد بن حنبل ، وقال أتذكر سارقاً ولصاً هذا الذكر الذي أرى؟! فما قصته؟ قال يا بني عندما كنت في المحنة “محنة خَلق القرآن” التي نعلمها جميعاً في التاريخ والتي كان الإمام أحمد قد تعرض لصنوف العذاب لأجلها وثبت ، فقال : هذا اللص جاء إليّ وأنا أُعذّب و أُضرب بالسياط ، وكان وقع السياط عليه – وهو بجسمه وقدرته الجسمية – شديدا يقول: فجاء اللص وقال لي : يا إمام أنا لص وقاطع طريق ، ولأجل جرائمي والباطل الذي أنا فيه – يعترف بأنه على باطل- أُعذّب وأُضرب وأُسجن ، وأنا على باطل أجد نفسي أثبت على ما أنا فيه لأجل الباطل ، فأما أنت يا إمام وأنت على الحق اثبت على ضرب السياط وعلى ما أنت فيه. فيقول الإمام أحمد: تعلمت من هذا اللص. وأنا أقول في عالمنا المعاصر نرى أهل الباطل ثابتين على ما هم عليه ، وهم على باطل.

هذا الثبات على الحق وعلى إرادة الحق ، هو الذي يريده الله سبحانه وتعالى . الثبات على الطاعة الذي يعتبر من أهم قوانين النصر الذي تقدمه لنا سورة الأنفال . تعالجه السورة في عدد من الآيات تقريباً من الآية العشرين إلى الآية الرابعة والعشرين التي تتحدث عن نتائج الثبات. النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يقول : (عرفت فالزم) ، عرفتُ الآن أن القضية التي أؤمن بها هي الحق ، و أن الغاية التي لأجلها خرجتُ هي الحق ، إذاً بقي عليّ الثبات ، والله سبحانه وتعالى هو الذي يتولى بقية النتائج. في الآية يقول الله عزّ وجّل : (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) . خطط الكافرين وتدابيرهم وبروتكولاتهم، و كل ما يدبرونه في الظلام وما يقومون به من أعمال ، لا تلتفت إليها ؛ لا من حيث عدم الوقوف عليها ، أو الأخذ بالأسباب ولكن لا تكون هي مصدر إضعاف بالنسبة لقوتك أنت كبشر. نحن اليوم هذا القانون بحاجة إليه في العالم المعاصر الذي نعيش فيه الدسائس و المكائد و الخطط التي تكاد وتحاك من وراء الظلام و الكواليس . هل المؤمن صاحب الحق ، صاحب العدل ، صاحب القضية التي يؤمن بها و التي لم يخرجه فيها إلا الله ورسوله وحبه للحق ، هل يلتفت إلى هذه الدسائس ؟ وهل تكون مصدر إضعاف بالنسبة له أم مصدر قوة؟

سورة الأنفال توجه نظر المؤمنين في كل زمان وفي كل وقت أنه لا تلتفت إلى دسائس البشر، التفت فقط إلى إحكامك لقضية الثبات ، و للإيمان واليقين اللذين في صدرك ، ولذلك ربي قال (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) ، لا عليك من كيدهم ، ولا من دسائسهم و عدّتهم ، لا عليك من كل هذا، عليك فقط إحكام العدة في قلبك ويقينك بالله عزّ وجّل وما أعظم الآية ! : (إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ) ؛ تهديد (فَهُو خَيْرٌ لَّكُمْ) للكافرين، لم تعد المعركة بين مؤمنين وكافرين ، المعركة كما تأتي عليها سورة الأنفال أصبحت بين الكافرين وبين الله عزّ وجّل وهذه قاعدة من أعظم القواعد التي نحتاج أن نستحضرها اليوم. أنا حين أدافع عن الحق الذي أنزله الله عزّ وجّل فالقضية لم تعد بيني وبين الكافر، القضية أصبحت بين كافر وبين رب المؤمن والكافر. ودعونا نتخيل للحظات كيف سيكون ميدان معركة التي يقودها شرذمة من الكافرين أمام من؟ أمام مسبب الأسباب و رب الوجود ، و محرك الجيوش ، أمام من يرمي ، أمام من يَقتل ، أمام من يعطي ، أمام من الدنيا والسماوات والأرض بقبضته ، لا شيء يتحرك في الكون بدون إذنه . هذا الإحساس والشعور يعطي الجيوش التي تخرج ؛ إحقاقاً للحق وإيماناً بالحق قوة لا يمكن أن تدانيها قوة على وجه الأرض أبداً ، ولذا يقول الله عزّ وجّل بكل عزم للمؤمنين : (وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَو كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) ، انصب ما شئت من الجيوش ، سيّر ما شئت من القوافل والجيوش وحاملات الطائرات والصواريخ عُدّ العدة كما تشاء : (وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَو كَثُرَتْ) . ولو سيّرت جيوش الأرض ، لن تغني عنك أمام قوة الله . لا علاقة للأمر بقوة الثلاثمائة الذين خرجوا مع النبي عليه الصلاة والسلام ، وهم لا عدة لهم ولا قتال … لا ، القضية لم تعد بينهم وبين المؤمنين ، المسألة أصبحت بين هؤلاء الجيوش من الكفار وبين رب العباد سبحانه ، لماذا؟ أنا يكفيني كمؤمن أن أؤمن بالله عزّ وجّل ، أن أدافع عن الحق الذي أمر به و عن الكلمات التي أنزلها ، فأصبح جندياً في الجيش الذي يقوده الله ويحركه رب العباد سبحانه وتعالى ، له المثل الأعلى في كل شيء ، ولذا قال : (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) . الله ليس هو سبحانه مع المؤمنين في غزوة بدر فحسب ، الله مع كل مؤمن ومع كل صاحب حق ، الله مع كل يد حق ارتفعت وأرادت أن تحق الحق وتبطل الباطل . هذا الجزء من الآية قانون أزلي خالد، فالله لا يتخلى عن عباده المؤمنين . ما الذي حدث في واقعنا المعاش؟ ما الذي حدث وجعلنا ، و جعل المؤمنين في كثير من الأحيان يتزعزعون أو يخضعون لضغوط معينة؟ ما الذي فقدوه؟ لقد فقدوا هذا الاتصال الرائع العظيم بينهم وبين كتاب الله. ولذلك من أهم قواعد التدبر في الآيات وفي القرآن أن أستحضر القرآن في حياتي من جديد و أستدعيه ، وأجعله يفعل فعله العظيم في حياتي و قلبي و نفسي. سماع الأذان هو ما نقوم به اليوم في حياتنا ، هو الطريقة التي اخترناها لنتعامل بها مع القرآن. أسمع الآيات بأذني ، ولكنها لا تغادر أُذني أبدا ،ً لا تصل إلى قلبي ، وإن وصلت إلى القلب لا تجعل من القلب دافعاً ومحركاً ليقوم بالفعل في الواقع ، ولذلك عاب عليهم القرآن فقال : (وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) ؛ لا يسمعون سماع الإجابة، إذا سمعتُ آيات القرآن عليّ أن أطبق و أسمع سماع المستجيبين الذين قال عنهم الله في سورة البقرة : (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) البقرة) ، و يقول في الآية التي تليها : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ {22} وَلَوعَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوأَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ {23} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ) ؛ خطاب محبب للمؤمنين (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم (24) الأنفال) ، دعاكم لأي شيء؟ (لِمَا يُحْيِيكُمْ) ، أيّ حياة يا رب التي تحدثني عنها؟ الحياة الحقيقية وليس الجافة الناشفة التي نعيش، ليست حياة الأبدان التي نعيشها في واقعنا المعاصر؛ حياة حفلت بكل ألوان البهرجة والكماليات والزخرفة والرفاهية ، ولكنها حياة بلاستيك ، حياة جافة كأنها حياة لا حياة فيها كتلك الزهور الصناعية ، شكلها جميل ، منظرها جميل يسر الناظرين ، ولكنها بلا طعم أو رائحة ، ولا أثر للحياة فيها. هذه الحياة يريد الله عزّ وجّل أن ينتشل المؤمنين منها . يريد لهم حياة حقيقية وهذا النوع من الحياة لا يكون بالحصول على مباهج الدنيا مهما قلّت أوزادت ، وإنما يكون بالالتصاق والاقتراب واللجوء والرجوع إلى هذا القرآن العظيم : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) ، ولذا يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك ، يا مقلب القلوب حول قلبي إلى طاعتك وثبت قلبي .

ثم يأتي القانون الرابع الذي هو من مستلزمات هذا الدين. نحن قلنا إن من قوانين النصر في سورة الأنفال الثبات على الإيمان ، وأي إيمان ؟ إنه الإيمان الفاعل والقوي والمحرك . قانون آخر هو من مستلزمات الإيمان ، ولا معنى للإيمان بدونه ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ما معنى الثبات على الحق وعلى الإيمان ، وأنا أرى هذا الحق يُنتهك فلا أحرّك ساكناً؟! ما معنى الثبات على الحق ، وأنا أرى الحق الذي أُحِبّ يُنتهك ، ويداس ويغتصب ، ولا يتحرك قلبي ، ولا تتحرك مشاعري حزناً وألماً وبغضاً وكراهية للباطل الذي أرى؟! هذا ليس بإيمان. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – هنا كقانون – هو ليس قانون أن يحمل الإنسان عصاه ويجوب في المجتمع يمنة ويسرة يضرب هذا ، ويقتل هذا ويصفع هذا ، ويوجه كلمة لهذا لا، لا، أبداً، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي تحرّكه قلوب صقلها الإيمان بالله واليوم الآخر، قلوب أصبحت تحب الحق فحين ترى أيّ انتهاك لهذا الحق مهما كان بسيطاً في كل ما حولها تتحرك ، تفزع ، تغضب، ولذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يغضب لنفسه قط أبداً . لا يغضب إلا حين تنتهك محرمة من محارم الله عزّ وجّل، أو أمر من أوامر الله عزّ وجّل، ما الذي يفزعه؟ ما الذي يغضبه؟ ما الذي يحرك قلبه الهادئ المطمئن ؟ انتهاك الحق الذي أحبَّ. هذا هو معنى العلاج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ من حيث كونه واحدا من قوانين النصر.

الله لا ينزِّل النصر على مجتمع و أفراد يرون الحق ينتهك فلا تتحرك سواكنهم ، ولا تتحرك سواعدهم لإقامة الحق وإحقاقه ، ولا تنطق ألسنتهم لأجل أن يتغير الخطأ ، ولا تتحرك أيديهم وأقدامهم وأرجلهم لأجل أن يعيدوا الحق إلى نصابه والمعروف إلى مكانه . هذا النوع من الناس لا ينزِّل الله عزّ وجّل النصر عليهم ، بل يقول لهم : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) ، إذاً هي الفتنة ، وهو العذاب الذي يعمّ و يحذِّر الله عزّ وجّل منه الناس . إذا أنت لم تتحرك عواطفك و مشاعرك لحق ينتهك ، أو لمنكر يحدث أمامك فاعلم بأن الفتنة العامة قد جاءت ، الفتنة التي لا تفرق بين مؤمن وكافر؛ لأن العذاب يعمّ والرحمة تخصّ ولذا قال : (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً). العذاب حين ينزل والعياذ بالله لا ينزل هكذا على أقوام دون أقوام، بل ينزل على مجتمع انتهكت فيه محارم الله ، وانتهك فيه الحق وسُلب ، فهل تستطيع السفينة أن تواصل المسير و تسير بأمان؟ مستحيل.

هذه سفينة المجتمع ، كل واحد منا خرق فيها خرقاً بأخطائه وعيوبه وسكوته عن الخطأ في نفسه و بيته و المؤسسة التي يعمل فيها ، وفي المجتمع الذي يعمل فيه بين أقاربه، كلنا خرق خرقاً، مع هذه الخروق الكثيرة المتعددة هل تقوى سفينة المجتمع فينا على الثبات؟ هل تستطيع سفينة المجتمع هذه أن تبحر بنا في بحر من الأمواج والأهواء والأعاصير والشدائد والمحن التي نواجهها؟ ثم نتساءل بعد ذلك ونقول لماذا لا ينصرنا الله!! كم من خرق في سفينة المجتمع ؟ كم من خطأ رأيته بأم عيني ولم أصححه كم من خطأ؟ كم من خطأ تغاضيت عنه؟ كم من منكر رأيته فلم أنكره؟ كم من معروف رأيته يداس فلم أنتفض له؟ كم من حق رأيته ينتقص وينتهك فلم أغضب لأجله؟ كم من كلمة حق سمعتها بأذني فلم أنتصر لها؟ كم من مظلوم رأيته أمامي يُظلم فلم أنتصر له؟ لأنه ليس له ظهر قوي يسنده ويعينه؟ كم من مظلوم رأيت؟ كم من ضعيف رأيت فلم أهب لنجدته ومساعدته خوفاً من ظالم أو من قوي أو أو؟

كم مرة بررت فيها أخطائي وأخطاء الآخرين؟ كم من مرة تقاعست فيها عن قول الحق وبررت لذلك بعشرات المبررات ؟ من أعظم قوانين النصر أن يعاد لقانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دوره وأهميته في المجتمع. البعض يظن في فهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه لا يخرج عن أمر شخص بأداء الصلاة في وقتها ، أو بارتداء لباس معين للمرأة ، أو ما شابه وهي أمور عظيمة في الدين، لكنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر له فقهه وأوامره ، و قواعده و ضوابطه. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الضمانة الوحيدة ، وقارب من قوارب النجاة في العالم الذي نعيش فيه في مواجهة الأعاصير التي نمر بها في مجتمعاتنا في بيوتنا. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يضمن لي حقوقي و نصر الله عزّ وجّل لي .

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يعني أن أحمل عصا وأجوب في أروقة المجتمع، أبداً، الأمر بالمعروف هو : (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ (125) النحل) ، و يقتضى أنني حينما أرى الخطأ – مهما كان ذلك الخطأ – أسهم في تصحيحه و تصويبه .

ما بالنا لو رأينا في مجتمع أو في شارع أو في أحد المساكن أو الأحياء التي نعيش بها حريقاً شبّ في بيت من البيوت ، والبيت يفصل عن البيت الذي أسكنه بخمسة أو بعشرة بيوت أأسكت؟ أأسكت عن النار التي أضرمت في هذا البيت البعيد عني حتى تصل إلى النار؟ إن سكتُ وقلت إن النار بعيدة ، ولن تصلني فهذا يعني أنني أعيش حالة من حالات غياب الوعي ، بل الإغماء لأن النار ستصل إلي . هذا ما نفعله نحن في مجتمعاتنا حين نرى الخطأ و المنكر ولا ننكره ولا نسهم في تصحيحه ، كمن ينتظر أن تصل النار إلى بيته ليقوم في محاولة بائسة يائسة لإخمادها وإطفائها. وعندئذٍ قطعاً سيكون الأوان قد فات ، وستكون الأمور قد تغيرت ولم تعد بالمكان الصح الذي يجب أن تكون فيه. ولكن ثمة سؤال يطرحه القرآن عليّ ؛ لماذا أصبحنا اليوم نتوقف عن إنكار المنكر؟ ربي عزّ وجّل في الآية السادسة والعشرين بعد هذه الآية مباشرة يذكّر المؤمنين : (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ، من أعظم الأسباب التي تجعلني اليوم في حياتي و واقعي المعاصر أعيش حالة السلبية التي تكلمنا عنها ، وأسكت عن الانحرافات الفردية والجماعية الخوف من الناس و من الآخرين، أخاف من قريبي ، وأخاف من أهلي ، وأخاف من هذا ، وأخاف من مسؤولين ، وأخاف من رئيسي في العمل وأخاف وأخاف وأخاف. دعونا ننظر لقول الله عزّ وجّل : (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ) كنتم تخافون، من الذي منع الخوف عنكم؟ من الذي أودع الخوف والهيبة من نفوسكم في قلوب الناس؟ من الذي أيدكم؟ من الذي رزقكم؟ من الذي أعطاكم يا مهاجرين يا من تركتم المشركين؟ من الذي جعل هؤلاء المشركين من قريش وصناديد قريش من أمثال أبي جهل وغيره ، من الذي جعلهم كالأصنام من ورق؟ من جعلهم هكذا؟ من جعلهم لا يساوون شيئاً في نظركم؟ الله عزّ وجّل. إذاً هل بقي مبرر للخوف؟ هل بقي أي شيء يبرر خوفي وتقاعسي عن إحقاق الحق ، و عن أمري بالمعروف ونهيي عن المنكر؟

هناك سبب آخر، ربما الخوف على الأموال والأولاد ، وإلا بالله عليكم ما الذي يجعلني أصمت وأسكت وألوذ بالصمت المرير، وأنا أرى الحقوق وهي تغتصب وتنتهك ما الذي يجعلني أسكت؟ خوفي على رزقي؟ خوفي على وظيفتي؟ خوفي على بيتي؟ خوفي على ماذا؟ من الذي أعطاني البيت والمال والأولاد ؟ ألم أخرج من الدنيا ، وأنا طفل ضعيف لا أملك شيئاً من حطامها؟

من الذي أوكل ، حتى وأنا جنين في بطن أمي ، من الذي أوكل إلى أمي تغذيتي؟ من الذي أوكل إليها العناية بي؟ من الذي أعطاني ؟ من الذي ألبسني ؟ من الذي سقاني ؟ من الذي أطعمني؟ من الذي فتح عليّ؟ من الذي جعل لي عينين ولساناً وشفتين؟ من الذي جعلني أسير على قدمي؟ أليس هو الله؟ من الذي أعطاني ما أنا فيه؟ أليس هو الله؟ كيف أشكك في قدرته؟! كيف أشكك؟! أنا أدّعي أني مؤمنة ، إن كنت مؤمنة حقاً عليّ أن أؤمن أن الرزق بيد الله ، وأن الأولاد بيد الله ، وأن الأموال بيد الله ، وأن الوطن بيد الله ، وأن الأرض بيد الله . عليّ أن أقوم بما أمرني به الله عزّ وجّل في كل هذا ، و في كل ما أمتلك الحقيقة لكي يحفظه الله عزّ وجّل لي. أما أن لا أراعيه في شيء مما أعطاني ، وأنتظر منه النصر فهذا محض توهّم وضحك على العقول وعلى الأنفس .

ولذلك جاءت الآية ، وهذه من عظمة القرآن آية ترتبط بالآية التي تليها، عمل يرتبط بالجزاء: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ، أي أن تحقق كإنسان وفرد التقوى ؛ تقوى الله عزّ وجّل في حياتك . اتق الله في نفسك، و أولادك، وفيمن تعول . اتق الله في الوظيفة التي وكلت إليك ، و في الكرسي الذي تجلس عليه، و في الناس الذين قد توليت الحفاظ على مصالحهم . اتق الله ، إن لم يستطع أحد من البشر أن يحاسبك ؛ لأنك وزير و سفير و أمير و كائن من تكون فهناك من يحاسبك، هناك رب هو الحسيب عليك في كل شيء. هذا هو الرب الذي عليك أن تتقيه وليس الناس. إن تحققت بهذه التقوى في نفسك فاعلم بأن الله هو الذي سيجعل لك فرقاناً يفصل بين الحق والباطل، ولذلك يوم بدر سمي بيوم الفرقان في نفس السورة ؛ سورة الأنفال ، فرق الله به بين الحق والباطل، بين باطل قد أُعدّت له العدة وسُيِّرت لأجله الجيوش ، وسار معه صناديد قريش بكل عدّتهم وعتادهم وبين حقٍ من حمله كانوا ضعفاء من حيث القوة المادية ، ولكن كانت القلوب نقية قوية، قوية بأي شيء؟ قوية بالتقوى . لم تكن جيوش المؤمنين التي خرجت في غزوة بدر مسلّحة بأي سلاح أو عتاد سوى سلاح التقوى أو الإيمان ، وأنا أقولها – وأنا أتدبر هذه السورة العظيمة – التي لم تنزل فقط على أهل بدر، وإنما تنزل علينا اليوم ، ونحن نعيش ما نعيش فيه من أحوال في مجتمعاتنا. من أراد النصر عليه التسلح بالتقوى ؛ فإن أردت تسلحاً حقيقياً لجيوشك وحماية حقيقية لوطنك عليك أولاً أن تعدّ عدّة التقوى ، وأسلحة التقوى لا تستورد لا من قوة عظمى ولا من دول من اليمين ومن الشمال ، وإنما ليس لها مصدر إلا هذا الكتاب العظيم.

نريد أن نعد جيوشاً عدّتها التقوى و الإيمان بالله ، هذه الأسلحة لا أستطيع استيرادها من أي مكان على وجه الأرض أبداً. ولذا جاءت الآية التي تليها : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَويَقْتُلُوكَ أَويُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، تخاف من مكر الغرب والشرق؟ تخاف من خطط القوى العظمى ماذا تفعل بك؟ تخاف وتهاب المنظمات الدولية ماذا يمكن أن تقر عليك من قوانين؟ دعهم يمكرون ما يمكرون إن كنت حقاً على تقوى من الله وخوف منه ومعاملة صحيحة لله ولرسوله ومراعاة لحقه . إعلم أنهم ما يمكرون إلا ويمكر الله بهم، ألا يكفيك مكر الله لك؟ أتريد مكراً أعظم من مكر الله لك؟! وما معنى أن يمكر بك هؤلاء وأنت معك الله ما معنى هذا كله؟ ألا تؤمن بالله؟ ألا تؤمن بأن الله بيده كل شيء؟ ألم تتخذه وكيلاً؟ ألا تقول رضيت بالله رباً؟ أليس ربك هو من يقول هذا الكلام؟ يقوله لنبيه عليه الصلاة والسلام : (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَو يَقْتُلُوكَ أَو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) الأنفال) ، أنت معك رب هو الذي يمكر لك ، معك رب هو الذي يخطط لك، دع عنك صفقات من يمكر يميناً وشمالاً، صحح علاقتك بالله ، أعد التقوى لقلبك وجيوشك لبلدك وأرضك لكي تُحفظ فيه آياته ، وهو عظيم لا شك في ذلك . ولكني لا أحفظه في تصرفاتي ولا في سلوكي ، و لا في بيوتنا و مؤسساتنا ، و في كل ما نقوم به، ما معنى الحفظ؟ وهل هذا القرآن العظيم الذي أقرأه اليوم – وأنا أتدبر غزوة بدر- كأنه يتنزل الساعة. ما معنى الحفظ؟ هل هو حفظ الحروف فقط؟ أهو هذا الحفظ الذي أراده ربي عزّ وجّل ؟ يؤكد الله ويبين أن هذا القرآن أنزلناه مباركاً ليتدبروا آياته، ما معنى هذا؟ هذا كتاب أنزله الله عزّ وجّل فيه كل هذه القوانين، فيه كل هذه الحلول لما أعانيه من أزمة لكي أتدبر فيه ، ويتذكر أولو الألباب أصحاب العقول أصحاب التفكير الإستراتيجي والتخطيط . يتفكرون يا ربي في أي شيء؟ في أن يربطوا بين ما يقرأونه والواقع الذي يعيشون فيه ، لا تغرنّهم الحياة الدنيا ولا يقولون إن هذه قوة عظمى لا نستطيع الوقوف في وجهها، لا، لو قال المسلمون في غزوة بدر هذه الكلمة ، وقالوا لا نستطيع أن نقف في وجوه المشركين فقد خرجوا بعدة وعتاد ، لما كان قد قامت قائمة للإسلام والمسلمين. ما كنا أنا وأنتم اليوم نتحدث باسم هذا الدين أليس كذلك؟ لو قال المسلمون غير الكلمة التي قالها ابن المنذر وقالها المقداد ، وقالها سعد بن معاذ : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ، لما قامت للإسلام قائمة .

فما بالنا اليوم ! إن لم تقلها وتتفوه بها أفواهنا وألسنتنا، قلناها بقلوبنا : نحن لا نقوى على مواجهة الدول العظمى ، نعم حقاً لا نقوى . إن لم تكن قلوبنا قد ملئت بالتقوى، فنحن أضعف من أن نقف في مواجهة أحد من الناس . إن كانت قلوبنا لم تملأ بالتقوى ، و لم تزوّد بوقود التقوى والإيمان ومخافة الله عزّ وجّل دون الناس ، وبالاستغفار، لأصبح الإيمان مجرد شكل ، و التقوى مجرد ادّعاء لا يثبت أمام ما نراه من أعاصير الباطل والكذب الذي نعيش فيه.

ثم تأتي الآيات آية بعد أخرى إلى أن تصل : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ (39) الأنفال) . لا تقاتل من أجل منصب ، ولا لأجل مال . لا تقاتل لأجل منفعة مادية ؛ لأن هذه قضية خاسرة و باطلة . قاتل حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . إن كانت القضية التي أخرجتك وأخرجت جيوشك قضية عدل و إحقاق حق فَسِرْ على بركة الله : (فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39} وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ {40} الأنفال)، نوقّع على محالفات وتحالفات مع من؟ نوقع مع من؟ متى سنصحو من هذه الغفلة التي نعيش ؟ ونوقع تحالفاً مع الله ورسوله متى؟ متى نوقع معاهدة ولاء لله ولرسوله؟ متى نوقع بأيدينا معاهدة ولاء ووفاء لله ولرسوله حتى يأتينا النصر نعم المولى ونعم النصير؟.

بعد أربعين آية من كل هذا الكلام، الآن وبعد أن تكرّست وتعزّزت قوانين النصر في قلوب البدريين وفي قلوب كل المؤمنين في كل زمان ومكان ، الآن يأتي الحديث عن قسمة الغنائم والدنيا. قسمة متاع الدنيا في آية واحدة فقط : (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ) . وانظروا معي وتدبروا عظمة القرآن (من شيء) ليس شيئا ، بل (من شيء) ؛ تصغيراً واستخفافاً وإعطاءً لكل ما في الدنيا حجما حقيقيا .

كل ما يتقاتل عليه الناس اليوم ، و يتصارعون عليه من متاع الدنيا الزائل لا يساوي حتى شيء أو (من شيء) . نحن نتصارع ونتنازع على أهواء ومتاع . إن كنت أتصارع وأتنازع مع الآخرين لأجل منصب ، فالمنصب زائل ، والمتاع زائل ، والمال زائل ، والدنيا زائلة ولا تساوى عند الله شيئاً. ما الذي بقي اليوم بعد أن قسمت الغنائم وانتهت غزوة بدر؟ ما الذي بقي؟ ما الذي يذكره القرآن؟ هذا القرآن هو الذي بقي . ماذا أخذ البدريون من الغنائم معهم بعد مئات السنين ؟ ما الذي أخذوه؟ أخذوا شيئاً؟ بقي منه شيء؟ أصحاب الأموال بقي من أموالهم شيء؟ هل بقي من كنوز قارون شيء؟ هل بقي من ملك فرعون شيء؟ ما بقي شيء، ما الذي بقي؟ إيماني بالله عزّ وجّل فقط ، هذه الذي سآخذه معي . أي شيء آخر من متاع الدنيا الذي أنا الآن أنازع لأجله وأخرج إليه ، فهو باطل وهو زائل ولا قيمة له : (وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ) ، بدأ التوزيع وفي نفس الآية بعد ما قسّم الغنائم : (إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ) ، إن كنت آمنت بالله الإيمان الحقيقي . اعلم أن هذه الدنيا لا تساوي شيئاً فلا تغرنك الدنيا وما فيها .

ثم يأتي القانون الذي يليه مباشرة ، التسلسل في القرآن قاعدة من قواعد التدبر كل آية ترتبط بالآية التي تليها والتي قبلها : (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ (46) الأنفال) ، وهذا دليل على أن الذكر هو طاعة الله عزّ وجّل، أنا أقول إن الله قوي، عليّ أن أثبت في أفعالي بأن الله قوي، أنا أقول إن الله غني ، على أن أتصرف في حياتي وفي سلوكي تصرف من يؤمن ويتيقن بأن أسباب الغنى بيد الله وليس بيد البشر: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (46) الأنفال) عندما تدافع عن قضية ، دافع وأنت مع الجماعة التي أنت فيها على قلب رجل واحد لم تشتته أهواء النفس ولا المصالح الدنيوية ، ولا أي نوع من أنواع التفرقة . ونحن اليوم كمسلمين ، كم من عوامل التفرقة والنزاع نعيش؟! كم من عوامل التفرقة صنعتها بيديّ هاتين؟ كم من أمور أنا أنشأتها وقمت بإنشائها ولا أعلم أنها ستفرق وتشقّ وحدة المسلمين؟ هل أصبحت قلوبنا قلوبا واحدة؟ هل أستطيع أن أجمع القلوب من جديد على قلب رجل واحد؟ على أي شيء؟ لأي شيء؟ أنا أؤمن بقضية لا ينبغي أن تشتتني أبداً أهواء الدنيا ؛ لا الخوف على الكراسي ولا طلب المناصب ولا أي شيء آخر . الحق أغلب، هذا ما نحتاج إليه اليوم ، ولذلك ربي عزّ وجّل قال (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الأنفال) ، الأمر يحتاج إلى صبر في أن أنزع وأنتزع من نفسي حب الدنيا والمطامع والمناصب والجاه والذكر الحسن . إنه أمر يحتاج لصبر و مصابرة ومكابدة و جهاد نفس جهادا حقيقيا. ولذلك معركة بدر الحقيقية كانت في النفوس ، و ليس في ميدان المعركة فقط ، ميدان المعركة كان تحصيل حاصل . وأي معركة اليوم تدار في عالمنا المعاصر مهما اختلفت السيناريوهات ، لا تدار في ميادين المعارك ؛ فالإدارة الحقيقية في النفوس و القلوب.

إذا نجحنا حقاً وصدقاً في إصلاح النفوس والفوز بالقلوب ، فقضية النجاح في ميادين المعارك تحصيل حاصل مهما بلغ العدو الذي أواجهه من القوة المادية. لا ترهبني القوة المادية ، الشيء الذي أخاف منه فقط هو نفسي التي بين جنبي ، فإذا نجحت فيها فعلاً أكون قد نجحت في هذه المعركة. ولذلك ربي عزّ وجّل يقول : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ (47) الأنفال) ما الذي يخرجني؟ ما الذي يدفعني؟ ما الذي يقودني إلى ما أنا فيه؟ الدنيا أم الآخرة ؟ أهو الباطل أم الحق؟ الله عزّ وجّل في الآية التي تليها الآية الثامنة والأربعون يعطي نتيجة من النتائج فيقول : (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ (48)) . هذه قاعدة من القواعد ؛ قواعد الهزيمة لدى الطرف الآخر. الطرف الآخر يزين له الشيطان ، يحسّن له الخروج ، يحسِّن له القضية التي فيها فيقول لهم : لا غالب لكم اليوم . وهكذا فعل الشيطان مع أبي جهل ومع المشركين ، فقال لهم : لا أحد يستطيع اليوم أن يغلبكم . وبالفعل قوة مادية عظيمة أمام قوة ضعيفة لا عتاد ولا أموال لها ولا أي شيء ، فمن الذي سيغلب؟ الشيطان أقنع المشركين بأنهم هم الغالبون قال لا غالب لكم اليوم .

من الذي يستطيع أن يغلب قوة عظمى كقوة قريش؟ لم يتخيل ولم يدر بخلد المشركين أن من سينتصر هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المستضعفون هؤلاء بإيمانهم ويقينهم وتقواهم . وأن من سينتصر في كل معركة حتى قيام الساعة ، هي القوة التي تؤمن بأن الله حق، و التي يخرجها الحق ، والتي تواجه الباطل ليس لأجل الدنيا ولا لمتاعها ولا لغنائم ولا لأنفال ؛ وإنما لأجل الله ورسوله . ولذا يقول الله عزّ وجّل في تتمة الآية : (فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) الأنفال) تغيّرت المواقف ، والموقفُ الذي وقفه الشيطان مع المشركين في غزوة بدر يقفه كل شياطين الإنس والجن في كل آن وزمان عندما تبدأ المعركة أول كلمة يقولها الشيطان : إني بريء منكم. أين قوة فرعون حين كفر بآيات الله؟ فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب. أما آن للمؤمنين أن يدركوا أن القوة الحقيقية هي قوة الله ؟ أما آن لهم أن يجروا مقارنة ، وإن كانت مقارنة مجحفة بين هذه القوة العظيمة وبين ما يطلق عليه ويسمى قوى عظمى ، ذلك بأن الله عزّ وجّل يقول : (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) الأنفال) .

تعود الآية الرابعة والخمسون لتقول : (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (54) الأنفال) ، فالهزيمة محتومة على كل ظالم، القضية منتهية، كل ظالم مهما طالت سلامته ومهما بلغت قوته سيُهزم ، وكل صاحب حق وإن لم تظهر نتيجة الحق في الدنيا سينتصر. متى سندرك نحن المؤمنين و من نؤمن بهذا الكتاب العظيم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ متى سندرك أن التغيير الحقيقي مناط بالعودة الصادقة إلى كتاب الله؟ أنا أهيب بكل قائد معركة وبكل مسؤول وبكل قائد في قلبه ذرة من إيمان بالله ورسوله أن يعلِّم أتباعه و نفسه أولاً هذه السورة ، أن يقرأ هذه السورة العظيمة ويتدبر فيها ويعيها ويطبقها في حياته قبل ألا يمسك بيديه ولا حتى بقلم أو سيف أو آلة من الآت القتال متى؟ متى يعي المسلمون هذه الحقيقة؟

الله سبحانه وتعالى في الآيات التي تليها يقول : (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ {58} وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ {59} وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ {60} الأنفال) ، بعد ستين آية بالضبط من أصل خمس وسبعين في سورة الأنفال ربي عزّ وجّل يأتي لأول مرة على ذكر القوة المادية! وأنا اقول كم أنفقت شعوب العالم اليوم المسلمة و غير المسلمة ؟ كم يُنفق من ميزانيات الدول على إعداد القوة المادية ؟ هو شيء جيد ممتاز، ولكنى أتساءل ، في المقابل كم تنفق هذه الدول على إعداد الجيوش إعداداً روحانياً إيمانياً ؟ كم تُؤهل جيوشها للإيمان بحق يدافعون عنه ؟ آيات القرآن ليست لأجل أن تحفظ وتذكر في البيوت وفي المساجد وفي دور تحفيظ القرآن فحسب ، وإن كانت مهمة.

هذه السورة العظيمة ينبغي أن تتلى وتقرأ وتدرس ويتدبر فيها أصحابها في الكليات العسكرية و في المعاهد العسكرية ، و ينبغي أن تقرأ لا على علماء الدين فقط والأطفال وفي المساجد ، بل ينبغي أن تقرأ وتتلى ويتم تدبرها في هذه الكليات التي تعد الجيوش. نحن عندنا سلاح لم نحسن التعامل معه إلى اليوم، و عندنا قوة ؛ قوة حقيقية للأسف وبكل مرارة لم نستطع أن نتعلم منها ، ولم نستطع أن ننهل من معينها. إن جنحوا يا محمد للسلم فاجنح ؛ فهو سلم الأقوياء، وليس سلم الضعفاء : (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال) . لا تخشَ مكرا أو صفقات غائبة عنك ، ولا تخشَ من أي شيء يُكاد لك لماذا؟ لأنك آمنت بالسميع العليم الذي يسمع الدسائس والمؤامرات ويعلم بها ويدافع عنك.

وانظروا معي للآية التي تليها : (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُو الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال) ، يريدون خداع الشعوب في كل زمان هذه حقيقة واقعة .

يريدون الظلم، يحيكون الدسائس والمؤامرات، فليفعلوا ما يشاءون، أنت يا محمد ويا من يتبعك ويسير على نهجك في كل زمن وفي كل وقت حسبك الله، فإن حسبك الله. ألا أكتفي بالله حسيباً؟ ألا أكتفي بالله وكيلاً؟ متى سأعي هذه الحقيقة؟ متى سأتعلم كيف أقرأ القرآن قراءة حقيقية تنقذني وتنقذ مُلكي و شعوبي وتنقذ من أعيش معهم ووسطهم؟ متى أقرأ القرآن هذه القراءة؟ متى أعيه؟ متى أسمع السماع الحقيقي ؛ سماع الإجابة؟ متى أقرأ القرآن لأصلح به نفسي ، بيتي ، أبنائي أسرتي ، حياتي ، شعبي، متى؟ إلى متى أنتظر أن يغير الله هذا الضعف بقوة وهذه الهزيمة والنكبات بنصر وأنا لا أغير ما بنفسي؟ وربي عزّ وجّل يقول : (فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال) ، الله مع الصابرين ، اصبر وأبشِر. النبي عليه الصلاة والسلام بشّر أصحابه قبل أن تبدأ المعركة ، ولكن بأي نصر؟ نصر على قوة المشركين العظمى ، انتصارهم بالحق والإيمان والثبات. (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) الأنفال) ، فلا يضرك يا محمد ويا مؤمنا بتعاليم النبي ورسالة النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم لا يضرك خيانة من خان. نحن في المجتمعات وكأفراد نخشى الخيانة ، و نخشى من الخونة دائماً ، لكن لا تضرك خيانة الخائنين. من الذي يحفظك من خيانة الخائنين؟ الله عزّ وجّل حيث يقول : (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ (71) الأنفال) ، واحدة من قواعد هزيمة الأعداء أن يخونوا الله ورسوله . كلما ازددنا نحن كمؤمنين حفاظاً على الأمانة بيننا وبين الله عزّ وجّل حفظنا الله عزّ وجّل من خيانة الخائنين . الخيانة من الخائنين لا أستطيع تجاوزها بكل الوسائل المادية التي يمكن أن تُمكّن لي اكتشاف المؤامرات والخيانات ، وإن كان هذا لا يعني إغفال هذه القضايا أو الأسباب المادية ، ولكن الضمان الحقيقي للتخلص من كل هذا أن أزداد أمانة وإيماناً وشموخاً وثباتاً على الحق الذي بين يديّ.

يقول الله : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (72) الأنفال) ، نضع مائة خط تحت في سبيل الله ، ما الذي أخرج المؤمنين من مكة؟ سبيل الله . ما الذي جعلهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم؟ سبيل الله . لم يخرجوا لأجل مال، و لأجل مُلْك، أو منصب، لم يخرجوا لأي شيء من متاع الدنيا . لم يخرجوا إلا في سبيل الله ، الإيمان غالٍ والوطن غالٍ والأرض غالية ، والمناصب غالية والجاه غال ، والملك غال ، وكل ذلك إذا كان في سبيل الله يرخص ؛ ففي سبيل الله الحق أغلى ، و هذا هو الذي ينبغي أن يحركني : (وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ (72) الأنفال) ، ما الذي يريده الله عزّ وجّل مني في هذه الآيات؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر) ماذا يريد مني؟ يريد مني إيماناً حقيقياً، يريد أن يكون خروجي به وله، يريد أن أبذل وأضحي بالغالي والنفيس في سبيل الحق الذي آمنت به . هذا هو الحق و الثبات الذي تقدمه لي سورة الأنفال. ولذلك آخر الآيات يختم بها الله عزّ وجّل سورة الأنفال (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال) ، وماذا عن الغنائم؟ لم يذكر الله عزّ وجّل في هذه الآية الغنائم ولا الأنفال لماذا؟ لأن المكسب الحقيقي المغفرة والرزق الكريم من عند رب العالمين (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (74) الأنفال) الإيمان ليس ادّعاء، الإيمان ليس كلمة تنطق باللسان، الإيمان ليس أن أعيش في صلاتي عيشة معينة ، وفي واقعي ومؤسساتي عيشة أخرى لا تمت إلى هذا الإيمان بصلة، الإيمان الحق أفعال ، سلوك ، تصرفات قوية، إذا وصلت إلى هذا الإيمان الحقيقي (لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال) فهذا هو الفوز الكبير .

ثم يأتي القانون الذي يليه مباشرة، التسلسل في القرآن قاعدة من قواعد التدبر كل آية ترتبط بالآية التي تليها والتي قبلها (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ (46) الأنفال) وهذا دليل على أن الذكر – الركن الأساس في الذكر – طاعة الله عزّ وجّل، أنا أقول أن الله قوي، عليّ أن أثبت في أفعالي بأن الله قوي، أنا أقول بأن الله غني على أن أتصرف في حياتي وفي سلوكي تصرف من يؤمن ويتيقن بأن أسباب الغنى بيد الله وليس بيد البشر (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (46) الأنفال) عندما تدافع عن قضية دافع وأنت مع الجماعة التي أنت فيها على قلب رجل واحد لم تتشتت به أهواء النفس ولا المصالح الدنيوية ولا أي نوع من أنواع التفرقة ونحن اليوم نحن كمسلمين كم من عوامل التفرقة والنزاع نعيش؟! كم من عوامل التفرقة صنعتها بيدي هاتين؟ كم من أمور أنا أنشأتها وقمت بإنشائها ولا أعلم أنها ستفرق وتشقّ وحدة المسلمين؟! هل أصبحت قلوبنا قلوب واحدة؟ هل أستطيع أن أجمع القلوب من جديد على قلب رجل واحد؟ على أي شيء؟ لأي شيء؟ أنا أؤمن بقضية لا ينبغي أن تشتتني أبداً أهواء الدنيا لا الخوف على الكراسي ولا طلب المناصب ولا ولا ولا خلاص الحق أغلب، هذا ما نحتاج إليه اليوم ولذلك ربي عزّ وجّل قال (وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) الأنفال) الأمر يحتاج إلى صبر أن أنزع وأنتزع من نفسي حب الدنيا والمطامع والمناصب والجاه والذكر الحسن أمر يحتاج لصبر لمصابرة لمكابدة جهاد نفس جهاد حقيقي. ولذلك معركة بدر الحقيقية كانت في النفوس ليس في ميدان المعركة فقط، ميدان المعركة كان تحصيل حاصل، وأي معركة اليوم تدار في عالمنا المعاصر مهما اختلفت السيناريوهات لا تدار في ميادين المعارك الإدارة الحقيقية في النفوس في القلوب، إذا نجحت حقاً وصدقاً في إصلاح النفوس والفوز بالقلوب فقضية النجاح في ميادين المعارك تحصيل حاصل مهما بلغ العدو الذي أواجهه من القوة المادية. لا ترهبني القوة المادية الشيء الذي أخاف منه فقط هو نفسي التي بين جنبي إذا نجحت فيها فعلاً أكون نجحت لهذه المعركة وفي هذه المعركة. ولذلك ربي عزّ وجّل يقول (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ (47) الأنفال) ما الذي يخرجني؟ ما الذي يدفع بي؟ ما الذي يقودني إلى ما أنا فيه؟ ما الذي يقودني؟ أهو الدنيا أم الآخرة ؟ أهو الباطل أم الحق؟ الله عزّ وجّل في الآية التي تليها الآية الثامنة والأربعين يعطي نتيجة من النتائج فيقول (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ (48)) هذه قاعدة من القواعد قواعد الهزيمة في الطرف الآخر. الطرف الآخر يزين له الشيطان يحسن له الخروج يحسِّن له القضية التي فيها فيقول لهم لا غالب لكم اليوم وهكذا فعل الشيطان مع أبي جهل ومع المشركين قال لهم لا أحد يستطيع اليوم أن يغلبكم وبالفعل قوة مادية عظيمة أمام قوة ضعيفة ثلة من المستضعفين لا عتاد لا أموال لا قتال ولا أي شيء من الذي سيغلب؟ الشيطان أقنع المشركين بأنهم هم الغلبون قال لا غالب لكم اليوم، الشيطان شياطين الجن وشياطين الإنس، من الذي يستطيع أن يغلب قوة عظمى كقوة قريش؟ لم يتخيل ولم يدر بخلد المشركين أن من سينتصر هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المستضعفون هؤلاء بإيمانهم بيقينهم بتقواهم وأن من سينتصر في كل معركة حتى قيام الساعة القوة التي تؤمن بأن الله حق، القوة التي يخرجها الحق، القوة التي تواجه الباطل ليس لأجل الدنيا ولا لمتاعها ولا لغنائم ولا لأنفال وإنما لأجل الله ولرسوله، ولذا يقول الله عزّ وجّل في تتمة الآية (فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) الأنفال) تغيّرت المواقف، والموقف الذي وقفه الشيطان مع المشركين في غزوة بدر يقفه كل شياطين الإنس والجن في كل آن وزمان عندما تبدأ المعركة تدور على الآخرين على حلفائهم أول كلمة يقول إني بريء منكم. أين قوة فرعون حين كفر بآيات الله؟ فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب. أما آن للمؤمنين أن يدركوا أن القوة الحقيقية هي قوة الله؟ أما آن لهم أن يجروا مقارنة وإن كانت مقارنة مجحفة بين هذه القوة العظيمة وبين ما يطلق عليه ويسمى قوى عظمى ولله المثل الأعلى؟! ذلك بأن الله عزّ وجّل (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) الأنفال) هذه هي القضية الحقيقية وليست ما يهيأ لنا اليوم، يعني أنا أريد هنا أن أتساءل مرة أخرى تعود الآية الرابعة والخمسون (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (54) الأنفال) الهزيمة محتومة على كل ظالم، القضية منتهية، كل ظالم مهما طالت سلامته ومهما بلغت قوته سيهزم سيهزم، وكل صاحب حق وإن لم تظهر نتيجة الحق في الدنيا سينتصر سينتصر. متى سندرك نحن المؤمنين؟ متى سندرك نحن من نؤمن بهذا الكتاب العظيم أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم؟ متى سندرك أن التغيير الحقيقي مناط بالعودة الصادقة إلى كتاب الله؟ وأنا أهيب بكل قائد معركة وبكل مسؤول وبكل قائد في قلبه ذرة من إيمان بالله ورسوله أن يعلِّم أتباعه وأن يعلِّم نفسه أولاً هذه السورة، أن يقرأ هذه السورة العظيمة ويتدبر فيها ويعيها ويطبقها في حياته قبل أن يمسك بيديه ولا حتى قلماً ولا حتى سيفاً ولا حتى آلة من الآت القتال متى؟ متى يعي المسلمون هذه الحقيقة؟!

الله سبحانه وتعالى في الآيات التي تليها (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ {58} وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ {59} وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ {60} الأنفال) بعد ستين آية بالضبط بعد ستين آية من أصل خمسة وسبعين آية في سورة الأنفال ربي عزّ وجّل يأتي لأول مرة على ذكر القوة المادية! وأنا اقول كم أنفقت شعوب العالم اليوم المسلمة غير المسلمة لا علينا منها، المسلمة كم تنفق من ميزانيات الدول على إعداد القوة المادية شيء جيد ممتاز ولكنى أتساءل كم تنفق هذه الدول على إعداد الجيوش إعداداً روحانياً إيمانياً، كم؟ كم تؤهل جيوشها للإيمان بحق يدافعون عنه، كم؟ آيات القرآن ليست لأجل أن تحفظ وتذكر في البيوت وفي المساجد وفي دور تحفيظ القرآن فحسب وإن كانت مهمة. هذه السورة العظيمة ينبغي أن تتلى وتقرأ وتدرس ويتدبر فيها أصحابها في الكليات العسكرية في المعاهد العسكرية ينبغي أن تقرأ لا على علماء الدين فقط والأطفال وفي المساجد ينبغي أن تقرأ وتتلى ويتم تدبرها في هذه الكليات التي تعد الجيوش. نحن عندنا سلاح لم نحسن التعامل معه إلى اليوم، نحن عندنا قوة، قوة حقيقية للأسف وبكل مرارة لم نستطع أن نتعلم منها ولم نستطع أن ننهل من معينها. إن جنحوا يا محمد للسلم فهو سلم الأقوياء وليس سلم الضعفاء (وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُو السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) الأنفال) لا تخشى من مكر ولا تخشى من صفقات غائبة عنك ولا تخشى من أي شيء يُكاد لك لماذا؟ لأنك آمنت بالسميع العليم يسمع الدسائس ويسمع المؤامرات ويعلم بها ويدافع عنك.

وأنظروا معي للآية التي تليها (وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُو الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) الأنفال) يريدون خداع الشعوب في كل زمان هذه حقيقة واقعة، يريدون الظلم، يحيكون الدسائس والمؤامرات، فليفعلوا ما يشاءون، أنت يا محمد ويا من يتبعك ويسير على نهجك في كل زمن وفي كل وقت حسبك الله، فإن حسبك الله. ألا أكتفي بالله حسيباً؟ ألا أكتفي بالله وكيلاً؟ متى سأعي هذه الحقيقة؟ متى سأتعلم كيف أقرأ القرآن قراءة حقيقية قراءة تنقذني وتنقذ مُلكي وتنقذ شعوبي وتنقذ من أعيش معهم ووسطهم؟ متى أقرأ القرآن هذه القراءة؟ متى أعيه؟ متى أسمع السماع الحقيقي سماع الإجابة؟ متى أقرأ القرآن لأصلح به ذاتي نفسي بيتي أبنائي أسرتي حياتي شعبي، متى؟ متى أنتظر أن يغير الله هذا الضعف بقوة وهذه الهزيمة والنكبات بنصر وأنا لا أغير ما بنفسي؟ وربي عزّ وجّل قبل صفحة واحدة (فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66) الأنفال) الله مع الصابرين، إصبر وأبشِر النبي عليه الصلاة والسلام بشّر أصحابه قبل أن تبدأ المعركة أي نصر؟ نصر على قوة المشركين العظمى إنتصارهم بالحق إنتصارهم بالإيمان إنتصارهم بالثبات. (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71) الأنفال) لا يضرك يا محمد ويا مؤمن بتعاليم النبي وبرسالة النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم لا يضرك خيانة من خان. نحن في المجتمعات وكأفراد نخشى الخيانة نخشى من الخونة دائماً لا تضرك خيانة الخائنين. من الذي يحفظك من خيانة الخائنين؟ الله عزّ وجّل (وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ (71) الأنفال) واحدة من قواعد هزيمة الأعداء أن يخونوا الله ورسوله كلما إزددنا نحن كمؤمنين حفاظاً على الأمانة بيننا وبين الله عزّ وجّل كلما حفظني الله عزّ وجّل من خيانة الخائنين، الخيانة من الخائنين لا أستطيع تجاوزها بكل الوسائل المادية التي يمكن أن تُمكّن لي إكتشاف المؤامرات والخيانات وإن كان هذا لا يعني إغفال هذه القضايا أو الأسباب المادية ولكن الضمان الحقيقي للتخلص من كل هذا أن أكون وأن أزداد أمانة وإيماناً وشموخاً وثباتاً على الحق الذي بين يديّ.

ثم الآيات إلى الأخير (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ (72) الأنفال) ونضع خطًا تحت في سبيل الله، ما الذي أخرج المؤمنين من مكة؟ سبيل الله.

ما الذي جعلهم يجاهدون بأموالهم وأنفسهم؟ سبيل الله. لم يخرج لأجل مال، لم يخرج لأجل مُلْك، لم يخرج لأجل منصب، لم يخرج لأي شيء من متاع الدنيا لم يخرج إلا في سبيل الله، الإيمان غالي والوطن غالي والأرض غالية والمناصب غالية والجاه غالي والملك غالي وكل ذلك إذا كان في سبيل الله ففي سبيل الله والحق أغلى هذا هو الذي ينبغي أن يحركني. (وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ (72) الأنفال) ما الذي يريده الله عزّ وجّل مني في هذه الآيات؟ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُو الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) فاطر) ماذا يريد مني؟ يريد مني إيماناً حقيقياً، يريد أن يكون خروجي به وله، يريد أن أبذل وأضحي الغالي والنفيس في سبيل الحق الذي آمنت به هذا هو الحق هذا هو الصح هذا هو الثبات الذي تقدمه لي سورة الأنفال. ولذلك آخر الآيات يختم بها الله عزّ وجّل سورة الأنفال (وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال) طيب والغنائم؟ لم يذكر الله عزّ وجّل في هذه الآية الغنائم ولا الأنفال لماذا؟ المكسب الحقيقي المغفرة والرزق الكريم من عند رب العالمين (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا (74) الأنفال) الإيمان، الإيمان ليس ادّعاء، الإيمان ليس كلمة تنطق باللسان، الإيمان ليس أن أعيش في صلاتي عيشة معينة وفي واقعي ومؤسساتي عيشة أخرى لا تمت إلى هذا الإيمان بصلة، الإيمان الحق أفعال سلوك تصرفات قوة، إذا وصلت إلى هذا الإيمان الحقيقي (لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) الأنفال) وهذا هو الفوز الحقيقي.

2 تعليقان

  1. لو سمحت أرجوا التفسير المكتوب .. لماذا لم تضعوا تفسير كتابي لهذه السورة مثل سورة البقرة وآل عمران؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *