قراءة في أثر فلسفة النقد التاريخي للنصوص - إضفاء الشرعية على الزواج المثلي
قراءة في أثر فلسفة النقد التاريخي للنصوص
في إضفاء الشرعية على الزواج المثلي
د. رقية طه العلواني
تمهيد
تشكل الأسرة حجر الزاوية في المجتمعات الإنسانية على اختلاف مللها ونحلها. فالاسرة هي المحور الذي تدور حوله مختلف العلاقات الإنسانية والاجتماعية. وعلى هذا اهتمت الأديان السماوية -اليهودية والمسيحية والإسلام- عموما بتشريع الأحكام والآداب المتعلقة بالكيان الأسري لضمان صلاحيته و ديمومته.
بيد أن مؤسسة الأسرة تعاني اليوم من تحديات تستهدف شرعية وجودها، من خلال ما يطرح على الساحة العالمية من اتجاهات منحرفة، تخالف كل ما جاءت به الأديان السماوية في طبيعة النظر إلى تركيبتها، محاولة زلزلة الثوابت الفطرية التي أرادها الله لصلاح الحياة الإنسانية. تلك الثوابت التي تعد الركيزة الأساس لتماسك مؤسسة الأسرة وديمومتها. وتعد كارثة إضفاء الشرعية على الشذوذ الجنسي أو ما يطلق عليه الزواج بين مثيلي الجنس من أبرز التحديات التي تواجهها مؤسسة الأسرة اليوم.
وتحاول هذه الدراسة الوقوف على أبرز العوامل الفكرية والتاريخية مركزة على فلسفة النقد التاريخي للنصوص، التي أسهمت في تسرب هذه الدعوى الخبيثة إلى ساحات بعض أتباع الديانات السماوية اليوم.
أولا : موقف الديانات السماوية من الشذوذ الجنسي
لا تختلف النظرة إلى هذه الجريمة بين الديانات السماوية. فقد رسمت المنظومة التشريعية في مختلف الديانات، إطارا دقيقا متكاملا لطبيعة العلاقات المشروعة وغير المشروعة. فمنعت كل صور الشذوذ الجنسي وأساليبه وحددت أنواعا من العقوبات الصارمة على اقتراف تلك الجرائم. واعتبرت أن تلك الجرائم موجبة لغضب الرب. وأشارت النصوص التشريعية فيها إلى عواقب وقوع تلك الجرائم وانتشارها في الأمم السابقة وأنها كانت سببا في هلاكهم.
ففي اليهودية هناك ستة وثلاثون ذنبا اعتبرت من الكبائر من بينها الزنى واللواط وحكمها الموت إما القتل أو الرجم أو الخنق أو قطع الرأس وثمة 207 من الصغائر ومنها الزني بالمحارم وحكمها الجلد. جاء في سفر اللاويين:
«لا تضاجع الذكر مضاجعة النساء، فذلك معيب. لا تضاجع أية بهيمة ولا تتنجس بها، ولا تقف امرأة أمام بهيمة لتضاجعها، فذلك فجور. لا تتنجسوا بشيء من هذا، فيمثلها تنجست الأمم الذين اطردهم من أمامكم. فتنجست الأرض. وسأعاقبها على إثمها حتى تفرغ من سكانها. فاعملوا أنتم بفرائضي وأحكامي ولا ترتكبوا شيئا من جميع هذه العيوب، سواء منكم الأصيل والغريب النزيل فيما بينكم.... فاحفظوا ما أمرتكم به لئلا تعملوا شيئا من العادات المعيبة التي عملتها الشعوب من قبلكم، ولا تتنجسوا بها. أنا الرب إلهكم».
أما في الديانة المسيحية فلا تقل هذه الجريمة بشاعة في نصوص العهد الجديد عنها في القديم. جاء في رسالة رومية: " وكذلك الذكور أيضا تاركين استعمال الانثى الطبيعي اشتعلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورا بذكور ونائلين في انفسهم جزاء ضلالهم المحق و كما لم يستحسنوا ان يبقوا الله في معرفتهم اسلمهم الله الى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق
- تركز الدراسة على الديانتين اليهودية والمسيحية باعتبار أن محاولات إضفاء الشرعية على الزواج بين مثيلي الجنس وتقنينها ظهرت وتتزايد الدعوة إليها في البلدان الغربية.
- الاوبين: 18 / 22-30
مملوئين من كل اثم و زنی و شر و طمع و خبث مشحونين حسدا و قتلا و خصاما و مكرا و سوءا 3...
بيد أن هذه النصوص التشريعية بدأت تتسرب إليها تأويلات منحرفة تأثر أصحابها بفلسفات سادت في عصور معينة، وبدراسات تظهر ما بين فترة وأخرى تروج لهذا الانحراف وتبرر سلوكه وتحاول إضفاء الشرعية عليه بما ينافي ويناهض كل القيم الفطرية والدينية.
ويبلغ الأمر مداه حين يحاول الشواذ من خلال منظماتهم وجمعياتهم، المطالبة بتوثيق عقود الزواج بينهم، الأمر الذي بات يمثل بديلا عن الزواج، ونوعا جديدا من الأسر. فلم يكتفوا بحرية ممارسة جريمتهم، بل يريدون جعل علاقاتهم المنحرفة أمرا عاديا شأنه شأن الأسرة الفطرية، التي يحق لهم من خلالها معاملتهم كزوجين طبيعيين من الحصول على التأمينات والخدمات والحصول على أطفال بالتبني .... ولئن كانت تلك التوجهات مجرد مطالب في السابق، فلقد تحقق الكثير منها في بعض الدول الغربية التي بات الدستور فيها يسمح بهذا التوثيق ويباركه.
ثانيا : فلسفة مناهج نقد النصوص الكتابية ( Biblical Criticism ) وأثرها في قضية الزواج المثلي
تعتبر نظرية النقد التاريخي من ابرز الاتجاهات وأخطرها في مجال نقد النصوص، وقد ظهرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي في مراكز البحوث في الجامعات الألمانية ثم انتشرت منها إلى دول أوروبا الغربية ومن بعدها إلى الولايات المتحدة 4. وكان الهدف الأول منها التحقق من صدق مرويات العهدين القديم والجديد وانتهت هذه الجهود التي كانت تروم التصديق والإثبات ابتداء، إلى التشكيك والتكذيب لتلك المرويات واعتبارها
- رسالة روميه 1 : 26، 27.
- E. Krentz. The Historical Critical Method. Fortress Press. Carlisle. 1992, p. 126.
صنعة بشرية مليئة بالتناقضات وصدى لوقائع تاريخية بادت وانقرضت وكان لها خصوصيتها الزمنية، وليست وحيا إلهيا على الإطلاق.
ويعد باروخ سبينوزا (1632-1677م) مؤسس فلسفة نقد النصوص الكتابية 5. ويذهب الاتجاه العام السائد بين علماء نقد نصوص العهد القديم إلى أن أسفاره لم يدونها موسى عليه السلام، وإنما هي مجموعة من التقاليد المتراكمة التي تشكلت مادتها في أوقات متباينة 6.
وقد ظهر أثر هذه الفلسفة جليا حين أعلنت الحركة الإصلاحية في اليهودية، منهجها الصريح في رفض ورد التشريعات الموسوية والربائية بما في ذلك الشريعة المنزلة وما يماثلها من المقدسات، متأثرة في ذلك بالفلسفات السائدة في القرنين الثامن والتاسع عشر الميلادي ومن أبرزها فلسفة نقد النصوص الكتابية. فاعتبرت النصوص التشريعية مجرد تراكمات تاريخية، كما اعتبروا الكتاب المقدس محصلة أحداث تاريخية متراكمة 7. فلم ينظروا إلى نصوص الكتاب المقدس كوحي نازل من السماء مباشرة على الإطلاق.
وانعكس هذا التأثر في موقف الحركة الإصلاحية من الزواج بين مثيلي الجنس. فحاولت تقديم تأويلات لمختلف النصوص التشريعية بما يتلاءم مع توجهاتها في النظرة إليها من زاوية تاريخية.
وعلى هذا فقد رحبت الحركة الإصلاحية في اليهودية بالشواذ في صفوفها واعتبرت وجودهم بينها من أسباب تقوية الروابط الأسرية في اليهودية، كما لم تر في إباحة زواج الشواذ خطرا على الأسرة التقليدية أو على الإنجاب والتكاثر المقدس في اليهودية.
Welcoming gay and lesbian families into the synagogue will strengthen all our families, by bringing the exiles home and by reuniting children, parents and siblings who have been forced to keep their partners and
- Britanica Encyclopedia. 1999. Inc CD-Rom. Judaism.
- المزيد من التفاصيل حول هذه النقطة راجع عرفان عبد الحميد، اليهودية عرض تاريخي، دار عمار، الأردن، 1997م، ص 81-82. وانظر كذلك كتابنا: أثر العرف في فهم النصوص .. قضايا المرأة أنموذجا، دار الفکر، دمشق 2003م، ص 155 وما بعدها.
- Encarta Encyclopedia 97 CD. Biblical Scholarship.
innermost lives hidden. Kelal Yisrael is strengthened when we affirm that there can be more than one way to participate in the Covenant".
وعلى هذا صوت الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي إصلاحي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ في المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية. ومنذ عام 1995م بدأت الحركة الإصلاحية في اليهودية بالموافقة على تعيين حاخامات مثليين 8.
وجاءت الحركة المحافظة Conservative كرد فعل للحركة الإصلاحية والتقليدية 9، فحاولت أن تتخذ حدا وسطا بين الطرفين منذ عام 1886م. فأعلنت التزامها الصارم بالتقاليد المتوارثة عن الحاخامات مع الاحتفاظ بحق تأويل الشريعة الموسوية تبعا للمصالح والمقتضيات المتغيرة.
وقد انعكست تلك التوجهات على اعتقادها إزاء طبيعة نظرتها للأسرة في مفهومها التقليدي والزواج بين المثليين اليوم.
فقد ذهب المحافظون إلى أن تلك النصوص التشريعية الخاصة بتحريم الشذوذ الجنسي هي تعاليم واجبة الاتباع إلا أنها لابد وأن تفهم ضمن إطارها التاريخي والاجتماعي الذي ظهرت فيه. وعليه فما أسفرت عنه نتائج البحوث العلمية الحديثة في زعمهم التي ترى أن الشذوذ عملية بيولوجية لا يستطيع الإنسان التحكم فيها، يمكن أن تغير تلك التأويلات مطلقا.
"As a Conservative Jew, I believe that halakha (=normative Jewish law) is binding. The Conservative Movement, however, understands the traditional halakhic sources (Bible, Talmud, etc.) as products of different historical ages-which are often very different from our own age! Deciding what is halakhically permissible is not only a matter of reading the texts, but also understanding the social/cultural contexts in which they developed". 10
- Ian Silver, Homosexuality And Judaism, http://www.betham.org/kulanu/iansilver.html.
- The Encyclopedia Of Religion, New York: Mircea, 1986. vol 4..p. 63. See also: Jacob Neusner, Judaism in Modern Times, USA; Blackwell Publishers, 1995, p. 99.
- Michelle Kwitkin. quoted by: Ian Silver, Homosexuality And Judaism. http://www.betham.org/kulanu/iansilver.html.
بينما لا يزال اليهود الأرثودوكس وكثير من المحافظين يرون في الالتزام بمفهوم الأسرة الفطري عن طريق الاقتران بين الرجل والمرأة، المفهوم الأوحد المشروع لقيام تلك المؤسسة ويرون في الحفاظ عليها شرطا أساسيا لبقائها واستمرارها. كما يرون في الشذوذ خروجا عن الفطرة السليمة وتهديدا لكيان الأسرة برمته وخروجا عن أوامر الرب في التكاثر والتناسل و احترام العلاقة الزوجية الفطرية بين الرجل والمرأة.
"Homosexuality destroys the individual's ability for ontological fulfillment in the halakhic world.... frustrates the divine intent of procreation; undermines the family; and is biologically and anatomically unnatural.... Homosexuals should be viewed as patients rather than criminals. As a result, psychological assistance must be extended to those who cannot avoid homosexual desire".
وما قام به رواد هذه الفلسفة من عمليات نقد وفحص المرويات العهد القديم، قام به آخرون في العهد الجديد (الإنجيل) كذلك. فذهب رودولف بولتمان وصموئيل ساندميل وغيرهم إلى أن الإنجيل روايات مختلفة لا أصل لها وهي لا تعدو عن كونها أساطير ليس لها صدى في واقع التاريخ 11. وقد أنعكس التأثر بهذه الفلسفة على أمور عديدة من أبرزها، طبيعة النظرة إلى الأسرة ومفهومها اليوم، وتحريم مختلف السلوكيات الشاذة المهددة للكيان الأسري. فالأحكام والتشريعات القاضية بتحريم هذا النوع من السلوك الشاذ، قابلة للتأويل والنقد والنظرة إليها من خلال سياق اجتماعي تاريخي جديد.
ورغم الاتفاق السائد بين الكاثوليك والبروتستانت من حيث الإيمان برسالة الإنجيل إلى الشعوب وضرورة العمل على نشر بشارته للعالم، إلا أن التأثر بفلسفة النقد التاريخي للنصوص بدا متزايدا بين صفوف الإصلاحيين الذين رأوا في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، تقاليد متوارثة وليست وحيا له مرجعية معصومة. الأمر الذي أفقد الكتاب المقدس منزلته المرجعية المطلقة كوحي إلهي مباشر.
- Samuel Sandmel, A Jewish Understanding of the New Testament, Cincinati; Hebrew Union College 1957. p. 128. Marcus J. Borg, Marcus J. "Meeting Jesus Again for the First Time: The Historical Jesus and the Heart of Contemporary Faith, " Harper Collins, (1994). R.E. Friedman, "Who Wrote the Bible?" Harper; San Francisco, (1987).
وعلى هذا لم تختلف نظرة الإصلاحيين في المسيحية عن مثيلتها في اليهودية إزاء الزواج المثلي، فقد حاول هؤلاء تبرير وإعادة تأويل مختلف النصوص التشريعية المناهضة للزواج المثلي في الكتب المقدسة من خلال الدعوة إلى قراءتها ضمن السياق التاريخي والاجتماعي المصاحب لها. بل إن معظم هؤلاء فسروا ما ورد في الكتاب المقدس حول عاقبة قوم لوط وتدميرهم، إنما كان جزاء بخلهم وسوء تعاملهم مع الآخرين وليس ومن جراء شذوذهم الجنسي وسلوكهم المشين وانحرافهم عن الفطرة 12.
جاء تحت عنوان : فهم الكتاب المقدس بطريقة جديدة:
...There are at least two important things to keep in mind when reading the Bible. First, you must always consider its context. In order to understand any writing (whether it be a letter, a speech, or even the Bible) it is necessary to understand its background. Think about who is speaking, to whom it is addressed, why it written, and what the culture was like. In the case of Scripture, the cultural and social context of Biblical times was very different from our own'. 13
وبلغ تأثير هذه التوجهات في المسيحية مداه، فقد كان الشذوذ الجنسي قبل عام 1973م، مدرجا في قائمة الاضطرابات النفسية في الكتيب التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders، والذي يعتبر المصدر الرئيسي لتشخيص الاضطرابات النفسية في أمريكا وفي أغلب دول العالم.
إلا أن ضغوط جمعيات الشواذ جنسيا قد تسببت في تشكيل لجنة لمراجعة موقف الكتيب من الشذوذ الجنسي، وكانت تلك اللجنة خالية تماما من أي عالم معتقد بأن الشذوذ الجنسي اضطراب نفسي. وقررت اللجنة بسرعة لم يسبق لها مثيل في مثل هذه الحالات وبتعدي الكثير من القنوات الشرعية المعتادة حذف الشذوذ الجنسي كاضطراب نفسي من الكتيب التشخيصي، إلا أنها احتفظت في الكتيب بحالة تعرف بـ ego-dystonic
- Jason Knisley, The Biblical and Talmudic Positions on Homosexuality, http://www.betham.org/kulanu/iansilver.html.
- Homosexuality and the Bible: Good News or Bad New. METROPOLITAN COMMUNITY CHURCH OF TORONTO INFO SHEET: October 21, 2002
homosexuality والتي تعرف بأنها عدم رضا الشخص عن اتجاهه الجنسي بحيث يسبب له ألما نفسيا شديدا، ولكن سرعان ما اختفى حتى ذلك التعريف من الكتيب.
وعلى الرغم من صدور وثيقة الفاتيكان في 31-7-2003، الموضحة بصرامة موقف الكنيسة الكاثوليكية والمحذرة من عواقب الاعتراف بالزواج بين الشواذ، وبيان خطورة ذلك في ظهور ايدلوجيات تشكك في شكل الاسرة الطبيعي المكون من أب وأم وتساوي بين العلاقة بين المثليين والعلاقة بين رجل وامرأة..."، ودفاع البابا يوحنا بولس الثاني مرارا عن الزواج التقليدي أمام التيار المطالب بالسماح بزواج المثليين في الولايات المتحدة واوروبا، إلا أن تزايد تأثير جماعات الشواذ في المجتمعات الغربية بدا ملحوظا. ولا تزال المطالبات جارية بتشريع قوانين الاتحاد المدني بين الشواذ في عدد من الدول الغربية.
خاتمة
أوضحت هذه الدراسة (في عجالة) أثر تبني القول بتاريخية النصوص الكتابية وتداعياته في تسرب التأويلات المنحرفة والآراء الشاذة إليها، ومن ثم نقض مختلف الأحكام والتشريعات المناهضة لما يراه أصحابها. ولئن غاب عن العديد من الدراسات المعاصرة التي تناولت قضية الشذوذ الجنسي، البحث في جذور طرح عملية شرعيتها، فقد ركزت هذه الدراسة على محاولة الكشف عن هذه الجذور، متمثلة في فلسفة النقد التاريخي للنصوص.
ولا تلغي الدراسة في ذات الوقت وجود عوامل أخرى اجتماعية وتاريخية وسياسية أدت بشكل أو بآخر إلى محاولات إضفاء الشرعية على هذه السلوكيات المنحرفة.