القرآنيون والسنة النبوية - قراءة في اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور القرآنيين المعاصرين
بسم الله الرحمن الرحيم القرآنيون والسنة النبوية قراءة في اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور القرآنيين المعاصرين
د. رقية طه العلواني
ملخص البحث
يتناول هذا البحث قضية الكشف عن اثر الظرفية التاريخية والفكرية في بروز فئة القرآنيين في العصر الحاضر وانتشار فكرها. حيث ان طبيعة الظروف التاريخية والتيارات الفكرية السائدة تسهم في توليد توجهات فكرية معينة. الامر الذي يقتضي دراسة تلك الظرفية للوقوف على كيفية معالجتها ومواجهة تداعياتها. كما يتناول البحث محاولة وضع اطار منهجي لكيفية التعامل مع التحديات التي تواجه السنة النبوية من خلال استنباط بعض المعالم والضوابط لذلك. ويوظف البحث المنهج التحليلي التاريخي المقارن في استقراء وتقصي الظروف التاريخية والتيارات الفكرية المقارنة لظهور القرآنيين في العصر الحاضر، ومن اهم النتائج التي كشف عنها البحث، تحديد ابرز الظروف والفلسفات التاريخية والفكرية المؤثرة في ظهور القرآنيين في العصر الحاضر وهي: فلسفة مناهج نقد النصوص الكتابية (Biblical Criticism)، اثر فلسفة تطور الاديان، و اساءة فهم مناهج التعامل مع السنة النبوية. ومن ابرز المعالم التي كشف عنها البحث في التعامل مع القرآنيين: التصدي للافكار، ضرورة التفرقة والتمييز في توجيه الخطاب بين من ينكر حجية السنة مطلقا وبين من ينظر في بعض الاحاديث وفق ضوابط ومعايير مقبولة لدى جماهير العلماء والمحدثين، وضرورة الاهتمام بتعديل مناهج التعامل مع السنة النبوية للخلاص من ازمة اساءة الفهم والتاويل. كما يوضح البحث اهمية توظيف التحليل المقارن في الفكر الديني لتجاوز العديد من الاشكاليات الناجمة عن عدم الافادة من عثرات الاخر مع اهمية استحضار الفوارق والحيثيات المتوقعة. كما يقدم البحث مقترحا باستبدال مصطلح منكري السنة بمصطلح القرآنيين لما يحمله الاخير من ايحاءات ايجابية قد توقع في اللبس والتوهم.
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الامين وبعد ازداد الحديث في الاونة الاخيرة عن فئة تعرف بالقرآنيين، وتصاعدت حولها زوابع فكرية واسعة النطاق. وتناولت بعض الدراسات الحديثية في الوقت الحاضر اصولها واقوالها وفصلت البحث في الشبهات المثارة من قبلها كما تولت الرد عليها وتفنيد شبهاتها. بيد ان الجانب الذي خلت منه معظم الدراسات هو تبيان طبيعة الظروف التاريخية والفكرية التي افرزت هذه الفئة واسهمت في انتشار فكرها. وتاتي هذه الدراسة في محاولة للكشف عن تلك الظرفية واثرها في ظهور افكار القرآنيين في الوقت الحاضر وتداعياتها.
اهمية الدراسة
تبرز الحاجة الى مثل هذه الدراسة في الوقت الحاضر على وجه الخصوص، حيث تضافرت محاولات الكثير من المؤلفين والكتاب للرد على اقوال واطروحات هذه الفئة وغيرها حول السنة النبوية دون الوقوف على عوامل نشاتها وظرفية انتشارها. الامر الذي يمكن ان يسوق الى مزيد من التكرار والدوران حول الظاهرة دون محاولة اجتثاث جذورها من خلال مواجهة عوامل نشاتها ومعالجة انتشار فكرها. وتروم الدراسة من خلال ذلك محاولة تفكيك واعادة تركيب بعض المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بهذه الفئة ومن ثم رسم اطار منهجي عام لضبط وتقعيد عملية رد الشبهات المثارة حول مصادر التشريع بصفة عامة والسنة النبوية بصفة خاصة من خلال تقديم بعض الضوابط في معالجة اقوال واطروحات هذه الفئة كانموذج تطبيقي.
الدراسات السابقة
احتل موضوع انكار السنة حيزا واسعا ظهر في بروز عدد من المؤلفات المتناولة له قديما وحديثا، وازداد الحديث عن القائلين به في العصر الحاضر والشبهات التي اثيرت من قبلهم. 12
وظهر عدد من المؤلفات التي تضمنت الحديث عن قضية انكار السنة والقائلين بذلك كما تبنت الردود عليهم ضمن مباحثها الاخرى. وتذهب معظم هذه الدراسات الى ان موضوع انكار السنة وما يتعلق به من شبهات، لم يختلف في اطروحاته عن اطروحات من انكرها في السابق ممن تناول الرد عليهم الامام الشافعي رحمه الله في رسالته. وثمة مؤلفات افردت الحديث عن هذه القضية وما يتعلق بها، وتاتي دراسة الدكتور خادم حسين الهي بخش (١٩٨٥م) في واحدة من اهم الدرسات المعاصرة في باب القرآنيين وشبهاتهم. فقد تناول دكتور بخش في رسالته الواقعة في ٤٨٢ صفحة بالتفصيل والعرض الدقيق موضوع وتاريخ فكرة انكار السنة قديما وحديثا، وتاريخ فرقة القرآنيين في الهند وباكستان وتراجم رموزهم وفرقهم المعاصرة. كما تناول الحديث عن القرآنيين في بعض البلاد العربية وذكر تراجم دعاتهم كذلك. وتمتاز هذه الدراسة عن غيرها بافراد موضوع القرآنيين بالبحث وتتبع ظهورهم في العصر الحاضر تتبعا تاريخيا امتاز بالدقة والجدة. يتضح من خلال العرض السابق لبعض ما تناوله العلماء والمفكرون المعاصرون في موضوع القرآنيين، غياب البحث في موضوع اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور هذه الفئة وافكارها، والربط المباشر التطبيقي بين اطروحاتها وما قارنها من تيارات فكرية وتاريخية. من هنا فان الدراسة تتجه للبحث في مؤلفات اخرى يمكن ان يستقى ويستنبط منها اثر الظروف التاريخية والفكرية المقارنة لظهور القرآنيين المعاصرين في بروز افكارهم واطروحاتهم، التي نجدها متناثرة في كتابات القرآنيين انفسهم من جهة وكتابات غيرهم من المستشرقين والمفكرين الغربيين الذين طرح العديد منهم ذات الافكار والاقوال. ولا تغفل الدراسة اهمية الوقوف على بعض البحوث والدراسات المعاصرة التي طرحها بعض النقاد والفلاسفة الغربيين في ثنايا نقدهم لكتبهم المقدسة والتي تاثر بها القرآنيون كثيرا كما ستوضح الدراسة ذلك. يتضح من العرض السابق لبعض الدراسات التي تناولت قضية القرآنيين، ان الجانب الذي ستقف هذه الدراسة عليه لم تتم معالجته بدقة وعمق، رغم الحاجة الملحة اليه في الوقت الحاضر.
منهجية الدراسة وتقسيماتها
تقوم الدراسة على توظيف منهج الاستنباط والتحليل والمقارنة بين دوائر فكر فئة القرآنيين من جهة ودوائر فكرية اخرى ظهرت في فترات مقاربة للحقبة الزمنية الحديثة التي تم بروز فكر القرآنيين فيها في اليهودية والمسيحية كذلك. وتنقسم الدراسة الى عدة مباحث بالاضافة الى المقدمة والخاتمة. اما المبحث الاول فقد تم تخصيصه لتناول اشكالية مصطلح القرآنيين ومفهومه. اما المبحث الثاني فقد تم تخصيصه للبحث في توصيف طبيعة الظروف التاريخية والحالة الفكرية المقارنة لظهورها في العصر الحاضر واشتدادها في الوقت الراهن. اما المبحث الثالث فقد خصص للبحث في محاولة التوصل الى صياغة قانون ضابط لكيفية معالجة هذه القضية ومثيلاتها من خلال عرض بعض المعالم المستنبطة حول ذلك.
المبحث الاول
القرآنيون.. اشكالية المفهوم والمصطلح
ظهر مصطلح القرآنيين الجدد وشاع استعماله بناءا على ما اطلقه رموزهم ودعاتهم على تلك الاطروحات والافكار التي دارت رحاها حول انكار السنة وثبوتها بطريقة او باخرى. ولعل بدايات اطلاق هذا المصطلح تعود الى اصحاب حركة (اهل الذكر والقرآن) في لاهور، وهم الذين اطلقوا على انفسهم ذلك المصطلح. ومن ثم شاعت تلك التسمية وانتقلت الى غيرهم في اماكن اخرى. ويرتبط هذا المصطلح بفكرة منكري السنة الجدد الذين لم يروا في السنة مصدرا للتشريع ودعوا الى الاحتكام الى القرآن وحده دون السنة. ولا تذهب الدراسة الى الاسترسال في اشاعة استعمال هذا المصطلح واطلاقه على منكري السنة الجدد. فالمصطلحات تحتل اهمية بالغة، لما يترتب عليها من اثار تنعكس في البنية المعرفية لمستعمليها وفي السياق الفكري الذي توظف فيه، بل وفي تحديد طبيعة التعامل معها واتخاذ المواقف منها. الامر الذي يستدعي التثبت فيها والتاكد من مطابقتها ومصداقيتها لواقع مفاهيمها. كما يتم الاعتماد على المصطلح في معرفة فكر قائله وهويته. من هنا كانت عملية اطلاق مصطلح ما على فكر معين او توجه محدد، في غاية الاهمية والدقة. فكلما كانت مفاهيم الموضوع الذي تراد معالجته، صحيحة كان الموقف منه صحيحا. 3 من هنا كان اطلاق مصطلح القرآنيين على منكري السنة وحجيتها الجدد، امرا له محاذير عديدة، ليس اقلها ما يحدث من توهم ولبس وتشويش بان اصحاب هذا التوجه، يعتمدون القرآن الكريم ولا يرومون سواه، وهو امر مخالف لحقيقة الواقع ولطبيعة هذا التوجه الفكري لدى اصحابه. فالاعتماد على القرآن الكريم لا يمكن ان يسوق بحال الى انكار السنة وحجيتها في حين ان دعامة اقوالهم، انكار السنة من خلال التشكيك في ثبوتها وصحة نسبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم. كما ان اطلاق مصطلح القرآنيين يحمل في طياته ايحاءات ايجابية، تغاير واقع هذا الفكر عند تفنيد عناصره وتفكيك ابجدياته كما ستقف الدراسة عليه لاحقا. من هنا فان الدراسة تؤكد اهمية وقف الاسترسال في استعمال هذا المصطلح لتمييز اصحاب هذا الاتجاه (سواء اكانوا هم من استعملوا هذه التسمية ام ان غيرهم اطلقها عليهم). وتذهب الدراسة الى اهمية استبدال مصطلح منكري السنة بمصطلح القرآنيين للخروج من ازمة المفهوم والمصطلح ابتداء. كما تركز الدراسة على حقبة زمنية محددة ظهرت فيها هذه الفئة وهي العصر الحاضر لما لها من صديات في الواقع الفكري للامة حاليا. ومما تجدر الاشارة اليه في هذا السياق ان هذا التوجه الفكري قد ظهر كذلك في دوائر الفكر الديني. في اليهودية قديما وحديثا. ويقوم مذهب اصحابه على التمسك بما جاء في العهد القديم وحده، وعدم الاعتراف باحكام التلمود وتعاليم الربانيين والحاخامات. ومن ثم اطلق على فرقتهم اسم "القراءون" نسبة الى "مقرا" (Karaism) الكلمة العبرية 22 21 22 23 7ة التي تعني اتباع الطريق. من هنا فهم يتمسكون ويقرون باسفار العهد القديم المنزل على موسى عليه السلام في سيناء فقط، ولا يقرون بشرعية التلمود وعرف اتباعها كذلك بابناء الكتاب الحرفيين. ولا تزال هذه الطائفة الى اليوم تسير على هذه الافكار والاعتقادات، وتذهب الى مقولة حسبنا الكتاب اي التوراة. فالتوراة في نظرهم حوت جميع المبادئ والتعاليم التي يحتاج اليها اليهود في مختلف الازمنة والامكنة ولا يحتاجون سواها. ولا يزالون يتمسكون بهذا المبدا الى اليوم: 4
"Karaites differ from others in that we accept the Tanakh (TN'K, Hebrew Bible [old testament]) as giving us all the information we need to live a life in accord with the will of the Creator. We do not feel a need for teachings that are not included in TN'K thus we do not accept either the Talmud of the Rabbinics or the New Testament of the Christians". 5
ومما تجدر الاشارة اليه في هذا السياق ان تعاليم القرائين في الاصل تمحورت حول رد الاعتراف بشرعية التلمود باعتباره تاويلات بشرية مزورة وعليه راوا الالتزام التام بحرفية نصوص التوراة والتمسك بظواهرها هو المخرج لذلك. فقد نظر القراءون الى التلمود باعتباره تاويلات واقوال للحاخامات على مر العصور وعلى هذا فهي غير ملزمة. 67
المبحث الثاني
اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور فكر القرآنيين
يصعب تفهم كيفية بروز ظاهرة (القرآنيين الجدد) واستمراريتها دون وضعها ضمن الاطار التاريخي والاجتماعي المقارن لظهورها. ويتضح ذلك من خلال التتبع التاريخي لظهورها وقراءة مختلف التيارات السائدة ايان ذلك الظهور. فقد نظر هؤلاء الى السنة النبوية برمتها (كما نظر بعضهم الى القرآن كذلك من خلال ثقافات وفلسفات برزت وسادت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، ومن ذلك: 8
اولا : فلسفة مناهج نقد النصوص الكتابية ( Biblical Criticism )
بدات هذه الفلسفة للتحقق من صدق مرويات العهدين القديم اليهودي والجديد المسيحي في مراكز البحوث في الجامعات الالمانية ثم انتشرت منها الى دول اوروبا الغربية ومن بعدها الى الولايات المتحدة. وقد انتهت هذه الجهود التي كانت تروم التصديق والاثبات ابتداء، الى التشكيك والتكذيب لتلك المرويات واعتبارها صنعة بشرية مليئة بالتناقضات وصدى لوقائع تاريخية بادت وانقرضت وكان لها خصوصيتها الزمنية، وليست وحيا الهيا على الاطلاق. ويعد باروخ سبينوزا (١٦٣٢-١٦٧٧م) مؤسس فلسفة نقد النصوص الكتابية. 9 وهكذا يذهب الاتجاه العام السائد بين علماء نقد نصوص العهد القديم الى ان اسفاره لم يدونها موسى عليه السلام، وانما هي مجموعة من التقاليد المتراكمة التي تشكلت مادتها في اوقات متباينة. ويرى هؤلاء ان الزمن الطويل الذي مر على النقل الشقوي لهذه المرويات، فسح المجال لنفاذ افكار واحداث تاريخية وكثير من الشعر الى متن التوراة اضافة الى الميول الشخصية التي لعبت دورها في صياغة التوراة الحديثة. 10
وما قام به رواد هذه الفلسفة من عمليات نقد وفحص لمرويات العهد القديم، قام به اخرون في العهد الجديد (الانجيل). فذهب رودولف بولتمان وصموئيل ساندميل وغيرهم الى ان، الانجيل روايات مختلفة لا اصل لها وهي لا تعدو عن كونها اساطير ليس لها صدى في واقع التاريخ. 11 بيد ان هؤلاء جميعا ذهبوا الى ذلك بعد جهود علمية هائلة ودراسات مضنية في تلك الكتب، ادت الى الوقوف على تناقضات حقيقية بين ما ورد في العهد القديم والجديد من مرويات تتعلق بالكون ونشاته والطوفان وبدء الخليقة، وما اثبته العلم الحديث على سبيل المثال. الامر الذي ساق الى قولهم بتاريخية تلك المرويات وانها كانت بالفعل تصورات بشرية لاشخاص عكسوا ما ساد في عصورهم وانقضى بكل ما يحمل من تناقضات واراء تناهض العقل والعلم. وقد اشار الى هذه الحقيقة عدد من المنصفين من مفكريهم ومنهم العالم الفرنسي الشهير موريس بوكاي في كتابه المترجم الى الانكليزية الانجيل القرآن والعلم .. دراسة للكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، حيث يقول:
"In the case of the of subjects such as the formation of the Universe (the description of the Creation), the date of man's appearance on earth, the Flood and its location in time, it is patently obvious that the biblical writers... have expressed ideas of their times which are incompatible with modern knowledge. Today it is impossible not to admit the existence of scientific errors in the Bible". 12
فقد اكد هذا الكاتب وغيره ان ما حواه القرآن من حقائق عن الكون ونشاته وغيرها من قضايا علمية، لا يمكن ان تكون صادرة عن بشر في عصر نزوله، فالعلم لم يتوصل اليها الا مؤخرا مما يؤكد الفارق الهائل بين مرويات العهد القديم والجديد من جهة والقرآن من جهة اخرى. ورغم ذلك كله ظهر ترديد لتلك الفلسفة في كتابات بعض المفكرين في المجتمعات المسلمة دون ادراك للتغاير الواضح بين نصوص العهدين القديم والجديد من جهة وبين نصوص القرآن الكريم من جهة اخرى. 13 والمتفحص لمقولات من اطلق عليهم (قرآنيون) في العصر الحاضر، يلحظ التاثر المهول والتشابه الذي يبلغ حد التطابق بين ارائهم من جهة، واراء علماء النقد التاريخي للنصوص الكتابية في الغرب، مع الاخذ بعين الاعتبار ان التبشير بهذا في ساحات الفكر الاسلامي جاء من قبل المستشرقين ابتداء الذين صرحوا بتبني هذا النهج. يقول المستشرق رودي بارت في هذا السياق: "ونحن بطبيعة الحال لا ناخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون ان نعمل فيه النظر، بل نقيم وزنا فحسب لما يثبت امام النقد التاريخي او كانه يثبت امامه، ونحن في هذا نطبق على الاسلام وتاريخه وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه عندنا على المصادر المدونة لعالمنا نحن...". 14 ان القيام بترديد مقولات فلاسفة النقد التاريخي والادبي حول كتبهم المقدسة، امر مخالف للعلم مناقض للعقل السليم، مناهض لمناهج البحث العلمي التي لا تعترف الا بالحقائق المثبتة المتيقن من صحتها، وهو امر تفتقر اليه مقولات المقلدين في ساحة الفكر الاسلامي. والمتامل في ابجديات فلسفة نقد النصوص الكتابية، يلحظ انها جاءت على مسارات متعددة منها: نقد الشكل الذي يبحث في كيفية وصول متن هذه المرويات وتناقلها شفاهيا عبر التاريخ. ويعترف فلاسفة هذا النوع من النقد ان مرويات العهد القديم استغرق جمعها وتدوينها فترة زمنية تربو على الالف سنة من ٢٠٠ قبل الميلاد الى ١٠٠٠م. ويرى علماء اليهود انها نزلت على موسى والانبياء من بعده ثم نقلت شفاها بالتواتر حتى تمكن رجال السنهدرين (المجمع الاكبر) من تدوينها. كما ان مرويات الانجيل على سبيل المثال جاءت في فترة متاخرة عن حياة المسيح عليه السلام. 15 لقد ذهب فلاسفة النقد التاريخي للنصوص الى البحث في شخصيات رواة العهد القديم والجديد بسبب ان تلك المرويات دونت دون ذكر اسماء قائليها بالتحديد، فلا يعرف من قال ماذا. الامر الذي حدا بهم الى البحث في قائليها وحاولة اكتشاف الرواة والبحث في سيرتهم. وحول ذلك جاء في قاموس الاديان:
"Historical Criticism is the fifth type to consider here. This area of study raises questions having to do with authorship, date, and place of composition of the documents. Most of the Bible would have little meaning for us unless we knew who wrote what when and where. Often we do not have all of this information....". 16
وعلى الرغم من هذا التباين بين مرويات العهد القديم والجديد من جهة والسنة النبوية من جهة اخرى، الا ان هذا النوع من الترديد لهذه الفلسفة، ظهر في صفوف بعض المفكرين في الساحة الاسلامية. فذهبوا الى ان تدوين السنة النبوية جاء متاخرا في القرن الثالث الهجري مما قد يعرضها للحذف والاضافة والنسيان. يقول في ذلك الدكتور احمد صبحي منصور في مقال نشرته الراي العام الكويتية في ١٠/٨/ ٢٠٠٤: "علماء الحديث يقررون ان الاحاديث تقوم على الظن، وليس على اليقين، وهم بهذا يؤكدون اعجاز القرآن، فيما نبا بما سيفعله بعض المسلمين بعد نزول القرآن، حين ينسبون للنبي احاديث بعد موته بقرون، ويسندون تلك الاحاديث الى الصحابة الذين ماتوا بعد انهماكهم في السياسة والفتوحات والفتنة الكبرى. ماتوا دون ان يعرفوا ماذا اسند اليهم الرواة بعد موتهم بقرون في العصر العباسي". وواقع الامر ان هذا القول يناقض الواقع التاريخي الشاهد على ما قام به المحدثون وجماهير العلماء من جهود مضنية في سبيل جمع الاحاديث والتاكد من صحة نسبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم وهو امر يضيق المقام بالوقوف عليه. وقد شهد لهذه الدقة المنصفون من علماء الغرب. واجرى هذه المقارنة بين مرويات العهد القديم والجديد من جهة وبين السنة النبوية من جهة اخرى الدكتور موريس بوكاي، منبهرا من عمق الاهتمام بالدقة والضبط في عملية جمع الاحاديث، والنص على اسماء الذين نقلوا اقوال النبي صلى الله عليه وسلم وافعاله بالصعود الى الاسناد الى الاول من اسرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الذين نقلوها المعلومات مباشرة عنه، بعد الكشف عن حال الراوي في جميع سلسلة الرواية والابتعاد عن الرواة غير المشهود لهم بحسن السيرة وصدق الرواية. ويؤكد الدكتور موريس بوكاي ان هذا امر انفرد به علماء الاسلام في الاحاديث دون سواهم.
"During Muhammad's life and after his death, complementary information of a legislative nature was indeed sought in the study of the words and deeds of the Prophet. These came from the oral tradition. Those who undertook to assemble them in collections made the kind of enquires which are always very taxing before recording accounts of past events. They nevertheless had a great regard for accuracy in their arduous task of collecting information. This is illustrated by the fact that for all of the Prophet's sayings, the most venerable collections bear the names of those responsible for the account, going right back to the person who first collected the information from members of Muhammad's family or his companions". 17
كما ان علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي لم يفرطوا اطلاقا في ضرورة التدقيق الذي لا حد له في رواية الحقائق. فقد وضع القرآن امامهم اهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي في قوله تعالى: (يايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبا فتبينوا...) (الحجرات: ٦). وتتمثل هذه القاعدة في ان اخلاق الراوي تعد عاملا هاما في الحكم على روايته. وقد افاد المسلمون افادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الاحاديث النبوية. وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الاحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي. ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة وبيان حالهم من صدق او كذب. فقد وصلوا في هذا الباب الى ابعد مدى، وابلوا فيه بلاء حسنا، وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من امرهم وما ظهر، ولم تاخذهم في الله لومة لائم، ولا منعهم عن تجريح الرواة والتشهير بهم ورع ولا حرج. 18 ومما تجدر الاشارة اليه ان علماء النقد في الغرب لمرويات العهد القديم والجديد اكدوا غياب امكانية وقوع التحريف المتعمد من قبل الرواة للنصوص الكتابية، فلم يقع الوضع المتعمد (في نظرهم) الا نادرا على الرغم من التناقضات الهائلة التي افصحت عنها تلك الدراسات النقدية. جاء في الموسوعة الكاثوليكية:
"Deliberate corruption of the Sacred Text has always been rather rare... Even among the unquestionably spurious readings of the New Testament there are no signs of deliberate falsification of the text for dogmatic purposes". 19
وعلى النقيض من ذلك تماما ياتي بعض الكتاب ممن تبنوا هذه الفلسفة (دون حتى محاولة اجرائها وفق المعايير العلمية للجزم بان ما قام به البخاري ومسلم رحمهما الله وغيرهما كان محض تلفيق وتزوير وجريمة متعمدة لا يمكن السكوت عنها. يقول الكاتب زيد نابلسي حول ذلك: "النتيجة الوحيدة امامنا والتي لا ريب فيها هي ان يد مزور مغرض قد عبثت في احاديث النبي واضافت اليها افتراءا وكذبا ما لم يقله في حياته. والمصيبة هنا ليست مجرد اختلافات ثانوية في النص او نقص او زيادة غير ذات اهمية سببها ضعف في الرواية، بل قد تعدى الامر ذلك الى اخطر بكثير، فامامنا هنا عملية اختلاق كاذب لاحاديث لا وجود لها من الاساس تروي احداثا مختلفة وتناقض القرآن الكريم، وتلك هي الجريمة الكبرى التي لا يجوز السكوت عليها، ولهذا ينبغي ان نعيد النظر كليا في اطلاق وصف الصحة على جميع هذه الكتب وهذه الاحاديث التي طالما فرضت علينا رواياتها على انها حقيقة واقعة.... كل محتويات تلك الكتب الصفراء وغيرها من كتب الاحاديث "الصحيحة" تصبح قابلة للنقض والتشكيك". 20 ويقول الدكتور اسماعيل منصور في كتابه "تبصير الامة بحقيقة السنة: "الاصل في رواية الحديث حينذاك - كان الكذب والخيانة، وان الاستثناء من ذلك كان الصدق والامانة". 21 ثم انهم لما تطرقوا الى النقد الخارجي، تطرق فلاسفة الغرب الى مسالة النقد الداخلي للنصوص باعتبار ان الكتب المقدسة لديهم (العهد القديم والجديد من الكتب التاريخية والنصوص الادبية، فلا سبيل لفهمها وتحديد مقاصدها الا من خلال النظر اليها كنصوص ادبية مفتوحة على النقد بكل صوره واشكاله من نقد خارجي صوري الى نقد باطني او داخلي. وهكذا تعد نظرية النقد التاريخي من اخطر الاتجاهات في مجال نقد النصوص، فقد تمخض عنها النظر الى النصوص الكتابية باعتبارها صدى التاريخ مضى وباد وانقرض. فالوحي ما هو الا تراكم تاريخي خاضع لسنة الزمان والمكان والتحولات. وعلى هذا اعتبر رواة هذه النظرية العهدين القديم والجديد اعمال تاريخية خاضعة للتحقيق التاريخي ونتائج البحث التاريخي. 22 وقد ظهر من يؤيد هذه الاتجاهات ويقوم بترديدها ومحاولة تنزيلها ليس على السنة النبوية فحسب بل على نصوص القرآن الكريم قاطبة. وقد ظهرت هذه الدعوى جلية في كتابات د. احمد صبحي منصور حيث قال: "الخروج من هذا المازق يحتم الغاء ذلك الاسناد، اي قطع الصلة بين تلك الاحاديث والنبي عليه السلام، رحمة بالاسلام وتماشيا مع المنطق والمنهج العقلي والعلمي ثم ننظر الى متن الحديث وموضوعه في ضوء انه ثقافة تعبر عن العصور التي تم تدوينها فيها. ثم نبحثها من خلال ثقافة عصرها تاريخيا وحضاريا بما فيها من خطا او صواب، اي تصبح تراثا معدوم التقديس، كاي تراث بشرى تنعكس عليه احوال البشر من ارتفاع وهبوط وصلاح وفساد". 23 وقد اغفل هؤلاء الكتاب ان عملية نقل وترجمة المناهج النقدية الغربية بحذافيرها لنصوصهم الكتابية، ومن ثم تنزيلها على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، دون ثمة تمييز بين الفوارق الهائلة، كانت تحمل في طياتها العديد من الاشكاليات. كما ان محاولات القاء الرؤى الفكرية المعاصرة على الاسلام منهج خطير. ومن الناحية العلمية لا يمكن قبوله لانه مجرد اسقاط تاريخي لرؤية فكرية معاصرة. والمناهج بطبيعتها لها بعدان: بعد اجتماعي وبعد ثقافي. وهي تعبير عن الحاجة والبيئة التي دعت الى ظهورها. فعملية نقلها واستزراعها في الفكر الاسلامي، محاولة عبثية لا طائل من ورائها. اضافة لما تتسم به من مصادرات لاصالة مناهج النقد الاسلامية. ثم ان هذا النوع من النقد للنصوص الكتابية، ان كانت الحاجة اليه ملحة في الفكر الغربي، لعدم حصوله في الاصل، الامر الذي نجم عنه وقوع تناقضات مهولة في تلك النصوص، فالحاجة اليه منتفية في نصوص القرآن الكريم والسنة الصحيحة. وبمقتضى هذا النقد الجديد فليس هناك ثمة مقياس محدد الهيئة وانما كل متلق له الحرية في رد هذا الحديث ورفض ذاك. الامر الذي يسوق الى الدخول في دائرة التاويلات وسوء اعمال النصوص والاحاديث واخضاعها للاراء الفردية والاحكام الشخصية. وعلى الرغم من ذلك فقد وقع الكثيرون من اصحاب الاتجاهات النقدية الحديثة في هذه الاشكالية، فذهبوا الى ان جماهير العلماء والمحدثين عبر التاريخ، اعتنوا بما يسمى "النقد الخارجي للسنة" اي نقد السند، واغفلوا نقد المتن الذي يسمونه "النقد الداخلي للنصوص". 24 يقول في ذلك الكاتب ابو رية: "والمحدثون قلما يحكمون على الحديث بالاضطراب، اذا كان الاختلاف فيه واقعا في نفس المتن لان ذلك ليس من شانهم من جهة كونهم محدثين، وانما هو من شان المجتهدين وانما يحكمون على الحديث بالاضطراب اذا كان الاختلاف فيه في نفس الاسناد لانه من شانهم". 25 ويقول الدكتور احمد صبحي في هذا السياق: "علم (الجرح والتعديل) انصب اساسا على فحص الاسناد او سلسلة الرواة، دون اهتمام يذكر بفحص المتن او موضوع الحديث نفسه، وقام فحص الاسناد على اساس الهوى المذهبي والشخصي فلم يحدث اطلاقا ان اتفقوا على ان ذلك الراوي ثقة او انه ضعيف، لان من يمتدحه اهل السنة يهاجمه الشيعة وهكذا بين سائر الطوائف والفرق، ونتج عن ذلك الاختلاف في الحكم على كل راو في سلسلة الاسناد ان صارت الاحكام نسبية حتى داخل كل فرقة او مذهب". 26 وواقع الامر ان النقد الداخلي كان اول علوم الحديث ظهورا في الجيل الاول من الصحابة رضوان الله عليهم. فقد رد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في مسالة نفقة وسكنى المطلقة ثلاثا، حيث قالت: طلقني زوجي ثلاثا فاردت النقلة، فاتيت النبي صلى الله عليه وسلم: فقال انتقلي الى ابن عمك عمرو بن ام مكتوم فاعتدي عنده. فقال عمر رضي الله عنه: "لا ندع كتاب ربنا وسنة راه صلى الله عليه وسلم لقول امراة لا ندري لعلها حفظت او نسيت قال الله تعالى لا تخرجوهن من بيوتهن". 2728 كما استدركت عائشة رضي الله عنها على بعض الصحابة لذكر بعض الاحاديث دون الوقوف على مناسباتها، ومن ذلك ما ورد عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثم ولد الزنا شر الثلاثة وقال ابو هريرة لان امتع بسوط في سبيل الله عز وجل احب الي من ان اعتق ولد زنية". 29 فقد روى البيهقي عن عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة رضي الله عنها ان ابا هريرة رضي الله عنه يقول ان رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ثم لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان اعتق ولد الزنا وان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ولد الزنا شر الثلاثة. فقالت عائشة رضي الله عنها: رحم الله ابا هريرة اساء سمعا فاساء اجابة، لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان اعتق ولد الزنا انها لما نزلت: "فلا اقتحم العقبة وما ادراك ما العقبة فك رقبة". قيل يا رسول الله ما عندنا ما نعتق الا ان احدنا له الجارية السوداء تخدمه وتسعى عليه فلو امرناهن فزنين فجين باولاد فاعتقناهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان امر بالزنا ثم اعتق الولد. واما قوله: ولد الزنا شر الثلاثة، فلم يكن الحديث على هذا انما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من يعذرني من فلان قيل يا رسول الله انه مع ما به ولد الزنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو شر الثلاثة والله تعالى يقول ولا تزر وازرة وزر اخرى". وقد شاركها علماء اخرون في انكار هذا التاويل وقالوا ليس عليه من وزر والديه شيء. 3031 وفي ذلك تاكيد لاهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بمختلف مستويات النقد الداخلي في مراحل مبكرة جدا وفق معايير منضبطة بعيدة عن الاهواء. 32
ثانيا : اثر فلسفة تطور الاديان
من المتعارف عليه ان نظرية التطور العضوي في الكائنات لصاحبها تشارلز دارون ( ١٨٠٩-١٨٨٢) انتقلت تاثيراتها الى حقل الدراسات الانسانية. فذهب العديد من كتاب الغرب في القرن التاسع عشر الى وقوع التشابه بين المجتمعات البشرية والتطور البيولوجي الذي ذهب اليه دراون حين صور الانسان كائنا متطورا عن نوع من القردة العليا الشبيهة بالانسان. وقد ظهر ذلك التاثر بفكر التطور في مختلف دوائر الفكر الديني في اليهودية والمسيحية والاسلام كذلك في محاولة لاخضاع الدين للقول بالتطور باعمادة ما ذكره التطوريون. وبدا الاتجاه التطوري سمة غالبة على معظم الكتابات في القرن التاسع عشر، بصورة تتنافى مع كل ما جاء في الكتب الدينية التي تمثل المرجعية الدينية المعصومة لدى اصحاب تلك الديانات. 33 وقد ادت تلك الفلسفة في نهاية الامر الى الغاء المرجعية الالهية للنصوص الكتابية في العهد القديم والجديد. ونظر علماء الاديان ابان القرن التاسع عشر الميلادي الى الدين باعتبارات ثلاثة: الاول: نفي مطلق النظرية ان الدين مؤسس على الوحي. الثاني: الدين تطور شانه شان الكائنات التي تطورت من الادنى والابسط الى الاعلى بناء على نظرية التطور الدارونية. الثالث: الدين وليد عملية مركبة وصنعة بشرية وتراكم كمي لعناصر ثلاثة ثقافية متوارثة عن الامم والشعوب عبر التاريخ. بمعنى ان الدين تاريخ، وليس مفارقا خارجا عنه. وسوى اصحاب هذا الاتجاه بين الدين المعصوم والفكر الديني. مما ساق الى النظر في الاحكام الشرعية الثابتة بالوحي على انها ذات قيمة تاريخية نسبية تخضع لسنة التطور والتغير. وعندما اخذ الاصلاحيون في اليهودية بهذا التوجه الفكري، تحتم في نظرهم الغاء كل احكام التوراة والتلمود، باعتبارها صديات الاوضاع بادت وانقرضت. ولبست الحركة الاصلاحية في اليهودية هذا الثوب حين اعلن زعماؤها اسقاط والغاء جميع الاحكام الشرعية الخاصة بالحلال والحرام. 34 ففي عام ١٨٨٥، اعطت فلسفة الاصلاحيين صياغتها الاكثر شمولية وذلك في مؤتمر احبار الاصلاح في باتسييرغ. واعلنت في بيانها العام، ان اليهودية لم تعد دين وطني، بل هو دين تطوري غربي. وعليه فينبغي اعتبار التلمود مجرد ادب ديني، لا قانون تشريعي. وقد بقيت تلك المبادئ والتعاليم لمؤتمر بيتسبيرج ممثلة الفلسفة الرسمية لحركة الاصلاح في امريكا لاجيال تالية. 35 وقد تقمص اتباع هذا المنهج في المجتمعات المسلمة تلك الاتجاهات، وانزلوها على تاويلاتهم لنصوص القرآن الكريم، ووجدوا في السنة ضالتهم. فالاحاديث في نظر هؤلاء تراكم لعناصر ثقافية متوارثة عن الامم والشعوب عبر التاريخ بمعنى انها تاريخ يقع في اطاره وليس بخارج عنه. وظهرت تلك الفكرة ابتداء في كتابات بعض المستشرقين من امثال كايتاني (١٨٦٩ – ١٩٢٦ م ) وميور (١٩٠٥ م ) وشبرنجر (ت ١٨٩٣ م ) حول تاريخية الحديث النبوي. ثم تبعهم اجناس جولد تسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١ م) وهو مجري الجنسية يهودي الديانة، وقد اعتبره المستشرقون - ومن تاثر بهم - الرائد الاول في دراسة الحديث ونقده. وقد قام بالتبشير بفكرة تطور الاسانيد والمتون في الفكر الاسلامي، كما ذهب الى ان وضع الحديث بدا في جيل الصحابه المبكر، وان التدوين للسنة لم يبدا الا في القرن الثاني. وان معظم الاحاديث - في راي جولد تسيهر - وضعتها الفرق السياسية الكلامية والمذهبية في القرنين الثاني والثالث، لذلك هي تعكس تطور المسلمين السياسي والفكري خلال القرنين ولا تمت غالبا الى القرن الاول بصلة. فهي جزء اعتباطي نما وتطور على يد الاحزاب المختلفة التي كانت تريد ان تنسب نظرياتها الى اشخاص مرموقين من القدماء. 36 وما قيل عن التاثر بفلسفة النقد التاريخي للنصوص، يقال هنا، فعن مثل هذه الانظار طفت على ساحة الفكر الاسلامي ترديدات لمقولات تلك التوجهات وصدياتها في الغرب، دون اية محاولة علمية تذكر للتدقيق والتمحيص والبحث في الفوارق الهائلة بين تطبيقاتها على مختلف الكتب والنصوص المقدسة في الاديان. يقول الاستاذ جمال البنا في هذا السياق: "واقعة الوضع لا تعود الى ما بعد الفتنة الكبرى (سنة ٤٠ هـ تقريبا ولكنها تعود الى ايام الرسول نفسه من المنافقين واليهود واعداء الاسلام الذين كان دابهم ان يؤمنوا بهذا الحديث وجه النهار ويكفروا به اخره وان يقولوا عن القرآن انه اساطير الاولين، ولو شئنا لقلنا مثل هذا الخ.. وهو الاصل الذي نجد ثماره فيما يروى عن القرآن من ادعاءات وايات منسوخة، او سور منسية، او اختلافات وضعها المنافقون واليهود في الايام الاولى للاسلام ونسبوها الى الصحابة وجازت على اسرى الاسناد من المحدثين ومفسري القرآن فحشوا بها كتبهم ونقلت منهم حتى اليوم". 37 ان القول بتاريخية السنة النبوية يسوق الى القول بالغاء الشرائع والاحكام التي جاءت بها تلك التعاليم والنصوص الواردة فيها. كما ان القول بان احكام السنة جاءت لمجتمع له خصوصيته ولعصر له ظروفه، قول يحكم على السنة باقليميتها ويقوض عالمية رسالتها وصلاحيتها لكل زمان ومكان. ويعتبر احكامها صدى لقيم ومثل عليا مرتبطة بظروف تاريخية تجاوزها الزمن. فلم يميز هؤلاء بين الشريعة الصادرة عن دين صحيح سماوي مصدره الوحي الالهي، التي لا يمكن ان تخضع في اساسياتها واصولها للتطور والتبدل والتغيير بحكم مرجعيتها الالهية المعصومة، وبين الفروع والجزئيات التابعة لحياة الناس في المجتمعات المختلفة القابلة بطبيعتها للتغيير والتعديل والتطور وفق احتياجات الناس واحوالهم. والقول بامكانية وقوع التطوير في اساسيات الشريعة وابجدياتها يستلزم وجود نقص او خلل فيها في هذا الوقت مثلا وهذا بطبيعة الحال ينافي ذاتيتها وحقيقتها. يقول احدهم: "احكام القرآن والحديث قابلة للتغيير بتغير الزمان والمكان، لانها جاءت عن سبب وبزواله لزم زوال المسبب والقرآن الشريف والاحاديث النبوية مجموعة مبادئ خلقية وسلوكية مسببة، بحيث ان احكامها عرضة للتبدل بتبدل الاحوال والاسباب، لا احكام متزمتة لا تقبل التعديل وفقا لتبدل الاسباب والظروف". 38 ومما تجدر الاشارة اليه في هذا السياق ان صديات هذه الفلسفة، توجهت نحو نصوص القرآن الكريم كذلك. فقد ذهب عدد من المستشرقين 39 وتبعهم بعض المفكرين حين قالوا ان الكلام الالهي فعل تاريخي تحقق في التاريخ وارتهن بعقل المخاطبين، وبطبيعة الواقع الاجتماعي والثقافي الذي تحقق فيه. 40 وعلى هذا فالدين اخذ في التطور والتدرج والحياة الاجتماعية كفيلة باحداث التطور في كل المفاهيم الاسلامية. 41 وقد ظهرت هذه الدعوى جلية في كتابات د. احمد صبحي منصور حيث يقول: "الخروج من هذا المازق يحتم الغاء ذلك الاسناد، اي قطع الصلة بين تلك الاحاديث والنبي عليه السلام، رحمة بالاسلام وتماشيا مع المنطق والمنهج العقلي والعلمي ثم ننظر الى متن الحديث وموضوعه في ضوء انه ثقافة تعبر عن العصور التي تم تدوينها فيها. ثم نبحثها من خلال ثقافة عصرها تاريخيا وحضاريا بما فيها من خطا او صواب، اي تصبح تراثا معدوم التقديس، كاي تراث بشرى تنعكس عليه احوال البشر من ارتفاع وهبوط وصلاح وفساد". 42
ثالثا: اساءة فهم مناهج التعامل مع السنة النبوية
اسهمت عمليات الفهم غير السليمة والتاويلات المنحرفة (بحسن نية او سوء قصد) الى توجيه بعض الكتاب، اصابع الاتهام واللوم الى الاحاديث النبوية واثرها في تكريس توجهات متطرفة واساليب مناقضة لوسطية الاسلام. ومرد ذلك وجود بعض الاحاديث الصحيحة التي لم يتم فهمها (من قبل البعض) بشكل صحيح يعكس مقاصد التشريع الاسلامي. الامر الذي ادى الى شيوع تصور ان السنة النبوية كانت وراء الخلاف الحاصل بين المسلمين وظهور التيارات المتطرفة بينهم. وواقع الامر ان غالب تلك الاحاديث قد تمت قراءتها، قراءة عضين 43 مقتطعة عن بقية النصوص القرآنية والنبوية الواردة في الموضوع، او تم النظر اليها بمناى عن اسباب ورودها ومناسباتها، مما اسفر عنه الوقوع في اشكاليات اساءة الفهم ومن ثم اساءة التطبيق في الواقع. فالحكم الشرعي في مسالة معينة لا يؤخذ من حديث مفصول عن غيره، وانما يضم الحديث الى الحديث، وتفهم الملابسات والظروف المحيطة به واسباب وروده الى النصوص الواردة في القرآن الكريم حول المسالة، ليتمكن المجتهد من استنباط الحكم من خلال نظرة شمولية، لا تقرا نصا وتهمل نصوصا. ويظهر اثر هذا العامل الفكري الخطير جليا في العصر الحاضر لدى عدد من الجماعات التي شهرت سلاح التكفير في وجه مخالفيها من خلال لي اعناق بعض نصوص الاحاديث والاستشهاد بها لتبرير مواقفهم من مخالفيهم. ومن ابرز الامثلة على ذلك، الاحاديث الواردة في الولاء والبراء والفرقة الناجية وغيرها من نصوص 44، اقتطعت من سياقها وانحرف بها من تاولها عن ضوابط التاويل الصحيح في محاولة للي اعناق النصوص واخضاعها للاراء الشخصية والتوجهات الفكرية وتطويعها لخدمة افكار جاهزة واراء مسبقة. ولقد اسهم عامل اساءة الفهم وبتر الاحاديث من سياقها او قراءة احدها دون النظر الى بقية النصوص الواردة من قرآن والسنة الصحيحة في الباب، الى استعمال احاديث في غير مواضعها حتى بات الحديث في بعض الاحيان (بسبب قلة الفهم وسوء التاويل) من اهم اسباب وقوع مزيد من الخلاف والشقاق بين المسلمين! 45 يقول الاستاذ البهنساوي في كتابه السنة المفترى عليها: "ومن افراد الجماعات الاسلامية من تبنى فهما للنصوص التي تقبل الخلاف، وفرض هذا الفهم على افراد جماعتهم وقيل لهم ياثم من خالفه لانه في نظرهم الفهم القاطع... وهذا كله يخالف منهج النبي صلى الله عليه وسلم". 46 وهذا امر ان وقع في بعض الاحاديث الصحيحة، فهو ممكن الوقوع كذلك في عدد من الايات والنصوص القرآنية التي تحتمل اكثر من معنى، فهل يكمن الحل في الاستغناء عن تلك النصوص القرآنية كذلك!!. كما ان البعض لم يفرق بين وجود احاديث غير صحيحة وبين كون السنة (اذا ثبتت نسبتها الى النبي صلى الله عليه وسلم) حجة. يقول الدكتور احمد صبحي: "ثقافة التطرف تنشر عبر احاديث مسندة او منسوبة للنبي (صلى الله عليه وسلم) زورا، وهى تخالف القرآن والسنة الصحيحة للنبي عليه الصلاة والسلام...". 47 ولعل المخرج من ذلك كله يكون في اشاعة ضرورة الالتزام بضوابط التاويل وما يستتبع ذلك من تطبيق وتنفيذ لها. فالتطبيق السليم للنصوص (قرآنا او سنة) على ارض الواقع هو المقصد الذي يرمي الشارع تحققه من التنزيل. والسير وفق ضوابط لتاويل النصوص، امر ضروري له اهميته في تفعيد العملية الفكرية وتهذيب مسارها وتصحيح مناهج التعامل مع تلك النصوص فتكون بذلك حاكمة على الاراء والافهام وليس العكس. اضافة الى ما يترتب على ذلك من قطع الطريق على من يوظفون هذه التاويلات لشن مزيد من الهجمات على السنة ونصوصها. ومن ابرز تلك الضوابط ان تصبح النصوص ذاتها (قرآنا وسنة) هي الفيصل بين التاويلات المقبولة من غيرها في اطار يتوافق وغاياتها ومقاصدها العامة. وان يرد المتشابه منها الى المحكم البين الذي يشكل الاصول والقواعد والامهات للخروج من ازمة الوقوع في التاويلات الفاسدة والمنحرفة. وان تتم مراعاة مقاصد النصوص وضبط عملية البحث عن تلك المقاصد. ...الخ ذلك من قواعد هامة لا ينبغي التصدي لتاويل نص دون الاحاطة بها واتقانها والتقيد بابجدياتها. والحق ان الاسباب متشابكة ومتداخلة، وكلها تعمل باقدار متفاوتة، مؤثرة اثارا مختلفة، قد يقوى اثرها في شخص ويضعف في اخر، ولكنها جميعا لها في النهاية اثرها الذي لا يجحد. فلا ينبغي لنا ان نقف عند سبب واحد. فظاهرة القول باقصاء السنة ظاهرة مركبة، معقدة واسبابها متضايفة. فمن هذه الاسباب ما هو ديني، وما هو سياسي، منها ما هو اجتماعي، وما هو فكري، وما هو خليط من هذا كله او بعضه. ولئن اهتمت الدراسة باثر الظرفية التاريخية والفكرية، فانها لا تستبعد وجود عوامل اخرى في بروز هذا الفكر وظهوره.
المبحث الثالث : معالم وضوابط في التعامل مع منكري السنة المعاصرين
تمهيد
لا تختلف هذه الفئة التي تدعي الاحتكام والرجوع الى القرآن وحده عن غيرها من فئات اخرى مخالفة، وعليه ينبغي ان يتسم الحوار معها بالنهج القرآني والنبوي في التعامل مع المخالف مطلقا.
اولا: التصدي للافكار والتركيز عليها عوضا عن التصدي او التعرض للاشخاص.
وهو نهج رائده النصوص القرآنية والسنة النبوية العملية والقولية. 48 فالنصوص اعتمدت في الخطاب والحوار مع المخالف على الحجة العقلية ووجهت ابتداء للفئات الممارسة لفعل التعقل والتفكر ونتائجهما. فالتعامل بالحجة والمنطق وشواهد التاريخ وحقائقه المثبتة في مختلف مجالات التثاقف العامة، كفيلة باظهار الحق ورد الاطراف الاخرى الى جادة الصواب، ليس من باب احداث الغلبة لطرف على حساب الاخر ولكن من اجل الحوار والتواصل وايضاح الحقائق امام الاخرين. ان بعد المسلمين اليوم عن المنهج القرآني والنبوي للحوار مع الاخرين ومناقشتهم على اساس الحجة والبرهان، يعد من ابرز عوامل الانسياق في دهاليز الاتهامات والتكفير ونحوها. في حين ان نصوص القرآن والسنة الصحيحة لم تكن خطابا مفروضا على العقل والوجدان دون اعطاء المتلقي فرصة التفكر والاستدلال بالاستقراء والاستنباط، واضافة الى ان الاليات الاستدلالية التي انطوت عليها تلك النصوص هي في جوهرها تقنيات حجاجية تستدعي السير عليها. وعليه ينبغي مقارعة الافكار بالافكار ومقاومة الشبهات بالحجة دون الاسترسال في المواعظ والالقاء الاتهامات واشهار سلاح التكفير والاخراج من الملة وتوهم ان ذلك كفيل بانهاء هذه الفئة او واد افكارها. فالدراسة المتانية الهادفة الى استنباط العلل الحقيقية الكامنة وراء ظهور هذه الافكار او تلك المقولات يعد الحل الامثل لمواجهة هذه التحديات. ومما تجدر الاشارة اليه في هذا الصدد اهمية البعد عن الالفاظ التجريحية في ثنايا النقاش العلمي الجاد، فهو مسار لا يتفق والمنهج الموضوعي. 49 فالرد المناسب على تلك الافكار ينبغي ان يتضمن عرضا لموقع تلك الافكار وقائليها علميا حين يتم التظاهر بالدفاع عن النقد الموضوعي وتحري الحقيقة، وهو تظاهر يثبت الدليل القاطع انه من انصاف الحقائق التي يراد منها تضليل القراء من غير المختصين في هذا المجال. والرد على الشبهات والافكار لا يستدعي الانطواء على سرد تفصيلي لكل من ينكر السنة وبكل شيء كتبه ومن ثم تكديس ذلك واعتباره منهجا فكريا واحدا، بقدر ما يقتضي الوقوف عند الافكار دون الاهتمام بتمييز وتصنيف قائليها تحت فئة معينة او في زمرة محددة. ويندرج تحت ذلك، ضرورة اجراء حوار علمي حضاري جاد بين رموز هذه الظاهرة في اجواء يسودها الادب القرآني الفذ والهدي النبوي الراشد في الحوار مع المخالف وعرض الافكار والاطروحات دون تهكم او تهجم بغية التوصل الى الحق واظهار الصواب. ان البعد عن اجواء الحوار الحضاري لن تولد الا المزيد من التشنج الفكري والزج بمختلف الشرائح الفكرية الى قعر الاتهامات والتفسيق والتكفير وهو امر لن يسوق الى ما يروم تحقيقه العلماء المخلصين من ابناء الامة ممن لا يبتغون الا حماية هذا الدين وشرائعه. ومما تجدر الاشارة اليه في هذا السياق اهمية استحضار الظرفية التاريخية والفكرية المقارنة لبروز الافكار المختلفة الدائرة حول السنة النبوية، ومحاولة التمييز عند مناقشتها بين ما قيل قبل عدة قرون وبين ما يقال اليوم وان بدا ثمة تشابه كبير بين طبيعة تلك الاطروحات لاول وهلة فالخطاب الموجه لمن انكر السنة قديما لا ينبغي ان يبقى هو ذات الخطاب الموجه لمن ينكرها اليوم مع اغفال شبه تام لتغير المخاطبين وطبيعة الافكار والشبهات المثارة اليوم. 50
ثانيا: التفرقة والتمييز في الخطاب
بين من ينكر حجية السنة ويطالب بالغائها واقصائها عن التشريع فلا يراها دليلا شرعيا معتبرا في الاصل، وبين من ينظر في بعض الاحاديث فيذهب الى عدم صحتها وفق معايير العلماء والمحدثين وليس تبعا لاهواء شخصية او افكار مسبقة بغية تطويع النصوص لها. مع التاكيد على اهمية عدم التسرع في الحكم على الاحاديث بعدم الصحة. يقول الشيخ يوسف القرضاوي في هذا السياق: "كم راينا من الائمة المتبوعين والمقبولين في الامة من رد حديثا ثابتا عند غيره ولم يثبت عنده؛ لعلة راها. وربما روي هذا الحديث بعد في احد الصحيحين او في كليهما. ولم ينقص هذا من قدر هؤلاء، ولم يخدش من امامتهم شيئا. وقد راينا ام المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- ترد بعض الاحاديث التي تسمعها من بعض الصحابة، حين راتها تخالف القرآن في رايها، او تخالف ما سمعته هي من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يزدها هذا الا فضلا ورفعة عند الامة. ثم انه لا يجوز ان يقال فيمن رد حديثا او حديثين من البخاري او مسلم او كليهما: انه رد احاديث الصحيحين او كذبهما، فهذا تصوير غير صحيح للقضية، واتهام في غير موضعه". 51
ثالثا: ضرورة الاهتمام بتعديل مناهج التعامل مع السنة النبوية
للخلاص من ازمة اساءة الفهم والتاويل. ومن ابرز ملامح هذا التعديل الاهتمام بالقراءة الشمولية التكاملية للاحاديث الصحيحة مع استحضار المناسبات واسباب الورود لها ان وجدت. وتقوم هذه الدراسة على جمع النصوص القرآنية والنبوية الواردة في المسائل وعدم النظر للامور والحكم عليها من خلال قراءة نص واحد منتزع من سياقه او من سبب وروده. لان عملية فهم السنة لا بد فيها، من فهم الملابسات التي احاطت بالاحاديث، فان اخذ الحديث مبتورا عن الظروف التي قيل فيها، وعمن قيل له، وعن المكان الذي قيل فيه، ظهر التناقض والتعارض مع غيره من نصوص واردة في القرآن او اخرى في السنة. اضافة الى ما يترتب على ذلك من تاويل بعيد او فهم قد يتسم بالشذوذ، وهذا من اخطر مناهج التعامل مع السنة ومن اكثرها اساءة اليها. اما اذا عرفت هذه الملابسات، وظهرت هذه السياقات والظروف، من خلال القراءة التكاملية الشمولية (التي نؤكد اهميتها) سلمت النصوص من توهم التناقض والتعارض والفهم البعيد.
الخاتمة والنتائج
استهدفت هذه الدراسة محاولة الكشف عن اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور القرآنيين المعاصرين وبروز فكرهم. وقد اوضحت الدراسة تداعيات هذه الظرفية الخطيرة واثارها في اساءة فهم السنة ومن ثم تشويهها والطعن فيها. كما كشفت عن جوانب من تلك التداعيات المتمثلة في الغلو والاسراف في تطبيق المناهج النقدية الغربية الحديثة على السنة النبوية والقرآن الكريم دون اجراء اية محاولة علمية لتفهم الفوارق الشاسعة بين الجانبين. اضافة الى خلو تلك المناهج المقلدة من الامانة العلمية المطلوبة والموضوعية اللازمة. ومن اهم النتائج التي توصلت اليها الدراسة، تحديد ابرز الظروف والفلسفات التاريخية والفكرية المؤثرة في ظهور القرآنيين في العصر الحاضر وهي: فلسفة مناهج نقد النصوص الكتابية (Biblical Criticism)، اثر فلسفة تطور الاديان، و اساءة فهم مناهج التعامل مع السنة النبوية. كما اوضحت الدراسة ابرز معالم التعامل مع هذه الفئة وغيرها مثل: التصدي للافكار، ضرورة التفرقة والتمييز في توجيه الخطاب بين من ينكر حجية السنة مطلقا وبين من ينظر في بعض الاحاديث وفق ضوابط ومعايير مقبولة لدى جماهير العلماء والمحدثين، وضرورة الاهتمام بتعديل مناهج التعامل مع السنة النبوية للخلاص من ازمة اساءة الفهم والتاويل. ولم تقف الدراسة عند حد تناول تلك الاثار وتحليلها فحسب، بل قدمت تصورا لكيفية تناولها ومعالجتها والرد عليها في محاولة تستلزم المزيد من الدراسات المتانية في هذا المجال.
المصادر والمراجع
Footnotes
-
من اشهر هذه الدراسات المعاصرة ما كتبه الاستاذ الدكتور: مصطفى السباعي، السنة ومكانتها في التشريع الاسلامي، المكتب الاسلامي، بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ / ١٩٨٥م. ↩
-
خادم حسين الهي بخش، القرآنيون وشبهاتهم حول السنة، مكتبة الصديق، السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢١هـ / ٢٠٠١م. ↩
-
حكمة علي الاوسي، مفاهيم في الادب والنقد، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية، ١٩٨٤م، ص ٣. راجع كذلك المفهوم معجم لالاند المجلد الاول ص ١٩٤ منشورات عويدات بيروت، ١٩٩٦ت خليل احمد خليل. ↩
-
العهد القديم هو مجموعة الاسفار التي جمعها رجال المجمع الاكبر الذي تاسس عقب العودة من السبي البابلي وجمعها عزرا في عام ٤٤٤ ق. م. وهو يشكل الشريعة المدونة. اما التلمود فهو روايات شفوية نقلت عبر العصور عن طريق سلسلة من الثقات يضم شروحات علماء اليهود ويراد به عند الاطلاق تلمود بابل وهو الاكثر شهرة وتداولا. راجع في ذلك بحثنا المنشور بعنوان: احكام الاسرة بين الاسلام والتقاليد الغربية دراسة تحليلية ضمن المسار التاريخي، مجلة الدراسات الاسلامية، مجمع البحوث الاسلامية، اسلام اباد، العدد الثالث (يوليو سبتمبر ٢٠٠٠م)، ص ١٤١. ↩
-
راجع موقع القرائين المعاصرين على الانترنت: http://www.karaites-usa.org/who_are_we.htm ↩
-
عرفان عبد الحميد، المنهج السلفي في الاديان وقواعد الفلسفة الدينية، (التجديد)، السنة الثالثة، (العدد الخامس). ١٩٩٩م. وانظر كذلك: عرفان عبد الحميد فتاح، اليهودية عرض تاريخي، دار عمار، الاردن، ١٩٩٧م، ص ٩٥. ↩
-
الدراسة تستعمل احيانا هذا المصطلح باعتبار شيوعه حاليا. كما تحاول الدراسة الوقوف على عرض اراء المفكرين المتبنين لهذا الاتجاه في الوقت الراهن بالذات قدر الامكان. ↩
-
Britanica Encyclopedia. 1999. Inc CD-Rom. Judaism. لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة راجع: عرفان عبد الحميد، اليهودية عرض تاريخي، مرجع سابق، ص ٨١ ٨٢. ↩
-
Britanica Encyclopedia. 1999. Inc CD-Rom. Judaism. لمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة راجع: عرفان عبد الحميد، اليهودية عرض تاريخي، مرجع سابق، ص ٨١ ٨٢. ↩
-
Samuel Sandmel, A Jewish Understanding of the New Testament, Cincinati; Hebrew Union College 1957. p. 128. Marcus J. Borg, Marcus J. "Meeting Jesus Again for the First Time: The Historical Jesus and the Heart of Contemporary Faith, "Harper Collins, (1994). R.E. Friedman, "Who Wrote the Bible?" Harper; San Francisco, (1987). ↩
-
Maurice Bucaille, the Bible the Qur'an and Science, translated; Alistair D. Pannell, pp 3. ↩
-
حول ذلك راجع ما كتبه محمد احمد خلف الله في مجلة الفتح المصرية حول وجود تناقضات في القرآن الكريم للحقائق العلمية!!. نقلا عن بخش، مرجع سابق، ص ١٣٩. ↩
-
نقلا عن علي بن ابراهيم الحمد النملة، الاستشراق والدراسات الاسلامية، مكتبة التوبة، الرياض، ١٤١٨ / ١٩٩٨م، ص ٤٩. ↩
-
نقلا عن موريس بوكاي، مرجع سابق، ص ١٨. وللمزيد من التفاصيل حول هذه النقطة، راجع المراجع التالية: John R. Himmells, the Penguin Dictionary of Religions, US: Penguin, 1995, pp 72-73. Stacey, W. David. Groundwork of Biblical Studies. UK: Epunth Press, 1979. The Abingdon Bible Commentary. US: Abingdon Press, 1929. Harper's Bible Dictionary. US: Harper & Row, 1985. ↩
-
John R. Himmells, the Penguin Dictionary of Religions, US: Penguin, 1995, pp 72-73. Stacey, W. David. Groundwork of Biblical Studies. UK: Epunth Press, 1979. The Abingdon Bible Commentary. US: Abingdon Press, 1929. Harper's Bible Dictionary. US: Harper & Row, 1985. ↩
-
Maurice, Ibid, pp. 214. ↩
-
في تفاصيل ذلك راجع: نور الدين عتر، منهج النقد في علوم الحديث، دار الفكر، دمشق، الطبعة الثالثة، ١٤٢٤ھ/ ٢٠٠٣م، ص ٤٥٩ وما بعدها. ↩
-
راجع موقع الموسوعة الكاثوليكية على الانترنت على العنوان التالي: فقرة: Biblical Criticism (Textual) http://www.newadvent.org/cathen ↩
-
زيد نابلسي، اكذوبة الاحاديث الصحيحة، على موقع صحيفة عرب تايمز على الانترنت: http://www.arabtimes.com/Mixed7/doc66.html ↩
-
نقلا عن كتاب جمال البناء المرجع السابق، ص ٨. ↩
-
E. Krentz, The Historical Critical Method, Fortress Press, Carlisle, 1992, p. 126. ↩
-
احمد صبحي منصور، الاسناد في الحديث، شفاف الشرق الاوسط. على موقعها على الانترنت: http://www.metransparent.com ↩
-
انظر في ذلك ما كتبه احمد امين، ضحى الاسلام، مكتبة النهضة المصرية، مصر، الطبعة الثامنة، ج ٢، ص ١٣٠ وما بعدها. ↩
-
محمود ابو رية، اضواء على السنة النبوية، مطبعة دار التاليف، مصر، ١٣٧٧هـ / ١٩٥٨م، ص ٣٠٠. ↩
-
احمد صبحي منصور، الاسناد في الحديث، مرجع سابق. ↩
-
اخرجه الامام مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار احياء التراث العربي، بيروت، بدون تاريخ، ج ٢، ص ١١١٠. ↩
-
راجع قول عمر في ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، محب الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩، ج ٩، ص ٤٨١. ابو زكريا يحيى بن شرف النووي، شرح النووي، دار احياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٢هـ، ج ١٠، ص ٩٥. ↩
-
رواه ابو داود سليمان بن الاشعث، سنن ابي داود، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ، ج ٤، ص ٢٩. رواه النسائي، احمد بن شعيب، السنن الكبرى، تحقيق: عبد الغفار البنداري، سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ/ ١٩٩١م، ج ٣، ص ١٧٨. رواه البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، ١٩٩٤/١٤١٤، ج ١٠، ص ٥٧. ↩
-
رواه البيهقي، مرجع سابق، باب ما جاء في ولد الزنا، ج ١٠، ص ٥٨ وانظر كذلك ابو بكر محمد بن ابي سهل السرخسي، المبسوط، دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٦هـ، حيث نقل قولها رضي الله عنها: كيف يصح ذلك وقد قال الله تعالى: "ولا تزر وازرة وزر اخرى". ج ١، ص ٤١٠. ↩
-
ابو محمد عبد الله بن احمد بن قدامة المقدسي، المغني، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ، ج ١٠، ص ١٥. ↩
-
للمزيد حول ذلك سعيد، محمد رافت. اسباب ورود الحديث تحليل وتاسيس قطر وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية. جمادى الاولى ١٤١٤هـ... ↩
-
المزيد حول هذه النقطة راجع ما جاء في كتابنا: اثر العرف في فهم النصوص. قضايا المراة انموذجا، دار الفكر، دمشق، ٢٠٠٣م، ص ١٧٨. ↩
-
فيما سبق عرضه، راجع كتابنا اثر العرف في فهم النصوص..، مرجع سابق، ص ١٥٦. ↩
-
راجع ذلك مفصلا في المرجع السابق، ص ١٧٨ وما بعدها. ↩
-
حول اراء المستشرقين في مسالة الاسناد وشبهاتهم والرد عليها انظر: محمد مصطفى الاعظمي، دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه، مطابع جامعة الرياض، الرياض، ١٣٩٦هـ، ص ٣٩٢ وما بعدها. ↩
-
جمال البنا، نحو فقه جديد، الجزء الثاني: السنة ودورها في الفقه الجديد، ص ٢٣ - ٢٤. موقع الانترنت: www.islamiccall.org ↩
-
نقلا عن بخش، مرجع سابق، ص ١٧٧. ↩
-
راجع محمد احمد دياب، اضواء على الاستشراق والمستشرقين، دار المنار، القاهرة، ١٩٨٩م، ص ١٠٧. ↩
-
راجع في ذلك كتابات: نصر حامد ابو زيد، القرآن نص تاريخي وثقافي، ملحق النهار الثقافي الخميس ١٧ اكتوبر ٢٠٠٢. وللمؤلف: قانون الاحوال الشخصية في تونس بين العلمانية المفترضة وجذور التراث الاسلامي، فصل في كتاب المراة هاجر (تحرير)، محمر، دار سينا للنشر، ١٩٩٢م، ص ٢٦٧. محمد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الثانية، ١٩٩٠م، ص ٢٠٦. وغير ذلك. ↩
-
محمد محمد حسين الاسلام والحضارة الغربية، مؤسسة الرسالة، بيروت: طه، ١٩٨٢/١٤٠٢م، ١٤٧ وما بعدها. ↩
-
احمد صبحي منصور، الاسناد في الحديث، سبق الاستشهاد بهذا القول في ص ١٣. ↩
-
استعملت الكاتبة مصطلح القراءة العضين للاحاديث النبوية في بحث مقبول للنشر بعنوان: اثر القراءة العضين وتداعياتها في فهم السنة النبوية. في الندوة الدولية العلمية الثانية حول السنة وتحديات العصر، دبي. مارس ٢٠٠٥. وقد اصطلح فيه على تسمية هذا النوع من القراءة بالقراءة العضين. ↩
-
انظر على سبيل المثال ما جاء في: عبد الرحمن بن عبد الحميد الامين، نثر اللؤلؤ والياقوت لبيان احكام الشرع في اعوان وانصار الطاغوت، ١٤٢٣هـ، بدون مكان نشر. والكتاب برمته يذهب الى تكفير المجتمع باسره حكاما ومحكومين من خلال الاستناد الى تاويله لبعض نصوص القرآن الكريم وعدد هائل من الاحاديث النبوية. ↩
-
راجع حول ذلك ما ذكره د. احمد صبحي منصور من ان الاحاديث المنسوبة الى النبي عليه الصلاة والسلام هي السبب وراء وقوع الخلاف. وغاب عنه ان ما يقوله عن الحديث ووقوع الخلاف بسببه، انما ناجم في الاصل عن اساءة الفهم الحديث وهو امر يحدث وقوعه حتى بالنسبة للقرآن. ↩
-
سالم على البهنساوي، السنة المفترى عليها، دار البحوث العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠١ / ١٩٨١م، ص ٢٧-٢٨. ↩
-
احمد صبحي منصور، الاسناد في الحديث، شفاف الشرق الاوسط. ↩
-
راجع في تفاصيل ذلك كتابنا الفائز بجائزة الامير نايف بن عبد العزيز ال سعود العالمية لخدمة السنة النبوية لهذا العام، والذي عنوانه: فقه الحوار مع المخالف في ضوء السنة النبوية. والكتاب تحت الطبع. ↩
-
مما يلاحظ على معظم النقاشات الدائرة في هذا المجال وغيره، بعدها عن المنهج القرآني والهدي النبوي في التعامل مع المخالف وادب الحوار وطرح الافكار. فقد خاطب القرآن الكريم اعتى المشركين والكفار وساق اقوالهم دون تهكم او تجريح او اسفاف براي احد. انظر ما ذكره د. احمد صبحي منصور المدير السابق لرواق ابن خلدون والمستشار الاسلامي السابق للمركز في الرد على شيخ الازهر حول مقال نشرته صحيفة الراي العام الكويتية ٢٠٠٤/١٠/٨ وانظر كذلك ما ذكره الكاتب زيد نابلسي في مقالته اكذوبة الاحاديث الصحيحة من تهجم وتهكم بالعلماء والمحدثين في اسلوب ابعد ما يكون عن الموضوعية والمنهج العلمي الرصين. راجع موقع الصحيفة على الانترنت: Arab times newspaper. October 21, 2004 http://www.arabtimes.com/Mixed7/doc66.html ↩
-
يؤكد كثير من المفكرين المعاصرين عند الرد على الشبهات المثارة حول السنة اليوم انها هي ذات الشبهات التي اوردها منكروا السنة في زمن الشافعي رحمه الله في القرن الثاني الهجري وقام بالرد عليها في كتابه الرسالة. وعلى الرغم من التشابه الحاصل حول الشبهات الا ان الظروف التاريخية والفكرية مختلفة وعليه لابد من استحضارها ليصبح الحوار مع تلك التوجهات اكثر واقعية ومواكبة للتيارات السائدة. والامام الشافعي رحمه الله لم يغفل عند رده و مناقشته لاراء المنكرين للسنة في عصره ظروف عصره والاحداث المقارنة لتلك الاراء الامر الذي يؤكد اهمية الاهتمام بهذا الجانب من امثلة الدراسات المعاصرة التي ركزت على مسالة التشابه واعتبار الردود واحدة في كل زمان وعصر ما كتبه الاستاذ الدكتور عبد المهدي عبد القادر، دفع الشبهات عن السنة النبوية، مكتبة الايمان القاهرة، ٢٠٠١م، ص ٢٨. ↩
-
يوسف القرضاوي، الاسلام على الانترنت: ٢٤ ابريل / ٢٠٠٤م. www.islamonline.net ↩