تدبر سورة ابراهيم – ١

تدبُّر سورة إبراهي

الحلقة الأول

بسم الله الرحمن الرحي

الحمد لله، والصلاة والسَّلام على رسولِ الله، وعلى آله وصحبهِ، ومن والاه

السَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سورة إبراهيم هي السُّورة الَّتي جاءت في ترتيب المصحف بالرَّقمِ الرابعَ عشرَ، سورة مكيَّة بتمامِها، نزلت بعد سورةِ الرَّعد في ترتيبِ المـُصحفِ، ولكنها نزلت تقريبًا بعد مُضيّ أكثر من عشرِ سنوات على الدَّعوةِ الإسلاميَّة في مكة. ونحن نعرف أنَّ نبيَّنا محمدًا صلى الله عليه وسلم قضى قُرابة الثلاثةَ عشرَ عامًا في مكَّة يدعو النَّاسَ بهذا القُرآن العظيم، فأكثر سُور القُرآن من ناحيَةِ العددِ هي السُّور المكِّيَّة

وسورة إبراهيم عليه السلام الَّذي سُميَّت السُّورةُ باسمهِ نزلت بعد سُورة نُوح، ونحن نعرف من خلالِ تدبُّرِنَا في السُّورِ الَّتي سبقت أنَّ هناك عددًا من السُّورِ نزلت بأسماءِ الأنبياء مثل: يوسف، يونس، هود عليهم السَّلام. والآن تأتي سورة إبراهيم

هذه السُّور الّتي سُميَّت بأسماءِ الأنبياء لكُلِّ واحدةٍ منها دلالة مُعيَّنة، وكما اعتدنا ونحن نتناول قواعد تدبُّر كتاب الله عزَّ وجلَّ سنجد أنَّ لكُلِ سورةٍ من هذهِ السُّورِ مقصدًا عظيمًا جاءت لتحقيقهِ، ومن أعظمِ قواعدِ التَّدبُّر الوقوف على الأجواء الّتي نزلت فيها السُّور، وقد ذكرنا فيما سبق أننا لا يمكن أبدًا أن نقصر معاني القرآن الكريم وتعاليمه على بيئةِ الخطابِ فحسب، والخطاب هنا نزل في مكَّة، والقُرآن العظيم جاء مُناسبًا لكُلِ زمانٍ ومكانٍ، فهو لا يمكن أبدًا أن يبقى فقط في البيئةِ وفي الوقتِ أو الزَّمنِ الّذي نزلَ فيه، ولكن الوقوف على الظُروفِ الّتي نزلت فيها السُّورة يُعطيني دلالات واضحة وأنا أتعامل مع السُّورة وأقوم بتطبيقِها في حياتي

عشر سنوات ليست بالعُمرِ القصيرِ، فترة طويلة قضاها نبيُّنا صلى الله عليه وسلم يدعو النَّاس جهرًا وسِرًّا، ليلًا ونهارًا، في عشيرته، وفي بيئته، وفي موطنه، وواجه فيها ما واجه بما فيها سنوات الحصار الَّتي حاصرته فيها قُريش مع بني هاشم والمسلمين. ذلك الحصار الشديد الَّذي ضُيِّقَ فيه عليهم الخناق، حصار لأجلِ أن يَردُّوهُم عن دينهم إن استطاعوا، مواجهة عنيفة بكُلِ الوسائل والطُّرق لإيقافِ صوت هذا القُرآن العظيم الَّذي أراد الله له أن ينزل أول ما ينزل في مكَّة، وأن يُواجَه بكُلِ هذه المقاومة العنيفة، ولو أنَّ القُرآن العظيم نزل في المدينةِ، لكان أهل المدينة قد استقبلوه كما استقبلوه بعد ذلك – حين جاءهم مُهاجرًا – بالحفاوةِ و التَّرحيبِ، ولذا فليس من الممكن أن تكون المقاومة كما كانت في مكَّة، ولكنَّ الله عزَّ وجلَّ في تقديرهِ للأُمورِ، وفي تسييرهِ -سبحانه- لكلِ تلك الظُروف له حِكم ومقاصد، فأولُ ما نزلَ القُرآن وبعد عشرِ سنوات استمرت المـُقاومة من قِبل قُريش، وتأتي هذه السُّورة وتحمِل اسمَ أبي الأنبياء، ذلك النَّبيّ إبراهيم عليه السلام الَّذي جاء بالحنيفيَّةِ السَّمْحَةِ، والَّذي بنى وأقام البيت على قواعدِ التَّوحيدِ، وقُريش ومكَّة ما كان لها أن تقوم لولا وجود ذلك البيت

فلماذا جاءت سورة إبراهيم بعد كل هذه الفترة؟ لتأتي بهذه الآيات العظيمة، ستأتي في نهاية سورة إبراهيم دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام الباقية الخالدة في تلك الأجواء في مكَّة بين وديانها وسُهولِهَا وجبالها، وفي ختامِ سورةِ إبراهيم الَّتي لها مقاصد، وأعظمها ما وردَ في أوَّلِهَا، إذ إنَّ ربِّي عزَّ وجلَّ قال: ” الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ” من الآية 1. ثُمَّ أتبعها بقولهِ (عزَّ وجلَّ) ” لِتُخْرِجَ النَّاسَ” من الآية 1. واللام ” للتعليلِ، والآية الَّتي قبلها في سورةِ الرَّعدِ، وبينهما فارق زمن ليس بالقليل، وآخر آية في سورةِ الرَّعد: “وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا” من الآية 43. كذَّبوا برسالتهِ، طعنوا في نُبوَّتهِ صلى الله عليه وسلم، فكانت آخر آية في سورةِ الرَّعدِ: ” قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُم” من الآية 43. فما عاد إيمانُكم أو عدم إيمان هؤلاء، ولا التَّكذيب ولا الكُفر مجديًا، وليس في حساباتِ نبيّنا صلى الله عليه وسلم هو مُبلِّغ، مُرسَل ” وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ” من الآية 43. لتأتي السُّورة بعدها بفترةٍ ليست بالقصيرة ” الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ ” من الآية 1. لأيِّ غرض أنزلنا إليك الكتاب يا محمد؟ ألأجل أن تنالَ بهِ رياسةً أو زعامةً أو مُلكًا ( كما تتوهَّم قُريش ) ومتى؟ أبعد عشر سنوات؟ كُل تلك العُروض الَّتي عرضها أهل مكَّة عليه، وساوموه عليها كانت مناقضة لهدف إنزال الكتاب، إذ كان هناك مُساومات خلال تلك السَّنوات، فقد قالوا له: تراجع عن الدَّعوةِ، وتراجع عن القُرآنِ، وسنُسوِّدُكَ علينا، نجعلك سيِّدًا علينا، هل تريد الشرف أم تريد العِزَّ أم تريد المالَ، ماذا تريد؟ سنُعطيك ما تريد، ولكن توقَّف عن القُرآنِ، توقَّف عن هذا الصَّوت. توقَّف عن إيصالِ تلك الرِّسالة، والله عزَّ وجلَّ يبدأ سورةِ إبراهيم بقوله: “الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ” من الآية 1. هو ليس من تلقاءِ نفسِكَ يا محمد، إنه مُنزَّل عليك. ولكن لأي هدف؟ قال تعالى: “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” من الآية 1. وهذه الآية العظيمة من أعظمِ الدَّلائلِ على أنَّ القُرآنَ رسالة عالميَّة ليست للمُؤمنين بهِ فحسب، ولذلك قال تعالى:” لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” من الآية 1. إن الآية العظيمة، وهذه السُّورة الكريمة جاء فيها الكلام عن الظُلماتِ والنُّورِ في أكثرِ من موضعٍ؛ الأول: “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” من الآية 1. أيِّ ظُلمات؟ وهل النَّاس الذين يعيشون خارج القُرآن وبعيدًا عن رسالةِ القُرآن في ظُلماتٍ؟ طبعًا نعم. محور سورة إبراهيم، وقصَّة إبراهيم عليه السلام، ومقصد هذه السُّورة هو الخروج من الظُلماتِ إلى النُّورِ، ذلك الخُروج الَّذي يُشكَّل أعظم رحلة يقوم بها الإنسان، وأطول رحلة ليس في تاريخِ الإنسانِ الفردِ فحسب، لا بل في تاريخِ البشريَّةِ، وإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء هو حلقة عظيمة برسالتهِ في هذه الرِّحلة الكريمة، رحلة إخراج البشريَّة من الظُلماتِ إلى النُورِ

كما أن وجود المكان الّذي صدع به إبراهيم عليه السلام بدعوتهِ بالتَّوحيدِ، تلك الدَّعوة الخالدة له دلالة كبيرة، والرَّبــط واضــح في المكانِ بين دعــوةِ نبــيّنا صلى الله عليه وسلم ونزول السُّورة في مكَّة وليس في المدينةِ، وبين دعوة أبي الأنبياء في مكة وليس في المدينةِ. فما هذه الدّلالة

هذا القُرآن العظيم برسالتهِ له خصوصيَّة في الزَّمانِ وفي المكانِ، إذ إنَّ القُرآنّ أولَ ما نزلَ نزلَ في مكَّةَ بين سُهولِهَا وأوديتها وجبالِها، (وكلنا نعلم تضاريس مكة وجغرافيتها). أول كلمة في ذلك المكان الضَّيّق الَّذي انبسطَ بآياتِ القُرآنِ العظيم حوَّلت تلك البُقعة الَّتي وُصِفَت بأنَّهَا وادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتِ الله المـُحرَّم إلى أطهر وأشرف وأقدس وأعظم بُقعة عرفتها البشريَّةُ، وأراد الله عزَّ وجلَّ أن يجعلَ من تلك البُقعة منارة للتوحيدِ، فلا تكون فيها إلَّا شهادة أن لا إلهَ إلَّا الله، وأراد في الخطابِ في أولِ آيةٍ أن تكون عالميَّة القُرآن بهذا، فقال تعالى: “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” من الآية 1. بمعنى آخر: أنَّ التَّوحيدَ ليس رسالة للمُؤمنينَ بهِ فحسب، ولا رسالة إلى مكَّة زمانًا ومكانًا فحسب، بل إن رسالة القُرآن لا تنحصر لا في زمانٍ ولا في مكانٍ، إنها عالميَّة لكُلِ العالم، بمعنى أن تنطلق رسالة القُرآن من مكَّةَ إلى أصقاعِ الأرضِ، ليس في زمنِ الرِّسالة الَّتي نزلَ فيها القُرآن فحسب، ولا في زمنِ النُّبوَّةِ، لا. بل في كُلِ زمنٍ، وفي كُلِ وقتٍ. فالرسالة باقيَّة.

وتدبَّروا معي في وصفِ القُرآنِ بأعظمِ صفةٍ من صفاتهِ، هذا القُرآن ليس مُجرَّد كلمات ولا حروف ولا آيات ولا سُور، على الرُّغمِ من أنَّهُ تعالى بدأ السورة بالحروفِ المـُقطَّعة حين قال: “الر” من الآية 1. والقُرآن يتكوَّن من هذهِ الحروف نعم، صحيح، ولكنها حروف لا تُشبه الحروف. حروف ترسم منهج حياة، وقد طبَّقها أول من طبَّقَها برسالتهِ ودعوتهِ كُلُّ الأنبياءِ، وسارَ على هُداهُم نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم في سُلوكهِ وحياتهِ، فما عادت تلك الحروف مُجرَّد حروف مُقطَّعة كأيِّ لُغة، وما عادَ هذا الكتاب مُجرَّد كلمات مرصوصة بعضها بجانبِ بعض لا، بل عادت فيه صفات وسمات لن تجدها في أيِّ كتابٍ من الكُتُبِ الَّتي لا يمكن إلَّا أن تُكتب بهذه الحروف العربيَّة. نحن نكتب كُتبًا بنفسِ الحروفِ، ولكن ليست تلك الكُتب كهذا الكتاب حاشاه، بل بالعكسِ فهناك بعض الكتب عربيَّة، وكُتِبت بنفسِ الحروفِ العربيَّة، ولكنها تُدخِل النَّاس في الظُلماتِ، أما هذا القُرآن العظيم، وهذه الرِّسالة فلهما سمة عظيمة وهي إخراج الناسَ من الظُلماتِ إلى النُّورِ. ولو أردنا أن نَقِف، ويَحِقُّ لنا أن نَقِف ساعات عند هذهِ الكلمة لوجدنا فيها من أشكالِ وألوانِ الإعجاز ما لا يُمكِن أن يُحيطَ بهِ أيُّ بشر، الظُلُمات جمع، والنُّور واحد، والسُّؤال الَّذي يطرح نفسَهُ: ما هي الظُلُمات الَّتي يُحدِّثُني عنها القُرآن؟ ولِمَ جاءت عامة؟ لماذا لم يقُل ظُلُمات الكُفرِ أو الجهلِ؟ لماذا لم يحصرها في الظُلُمات الَّتي تُعاني منها قُريش في ذلك الوقت؟ لأنَّ الرِّسالة عالميَّة. والظُلُمات لن تنحصِر في الجهلِ، ولا في الظُلمِ، ولا في الكُفرِ، ولا في الضَّلالِ، لا. اليوم البشريَّة تعيش أطوارًا وصفحاتٍ من الظُلُماتِ، واحدة منها العُنف، الدَّمار، الحروب، القتال، النِّزاعات، الخصام، هذه ظُلُمات. ووظيفة القُرآن العظيمة، والحكمة من إنزالِ هذا القُرآن عليك أنَّ هذا القُرآن له خاصيَّة لم تكُن ولن تكون في أيِّ كتابٍ آخر، لهُ القُدرة على أن يُخرج النَّاس من الظُلماتِ إلى النُّورِ بإذنِ ربِّهم، من ظُلُماتِ الحروبِ وويلاتِ الصِّراعات إلى نُورِ السَّلامِ والرَّاحةِ والأمنِ والأمانِ، من ظُلُماتِ الجهلِ المختلفة إلى نُورِ العلم، من ظُلُماتِ الظُلمِ حيثُ إنَّ أكثر كلمة وَرَدَت في سُورةِ إبراهيم هي (الظُّلم والظَّالمين)

لماذا؟ لأن الظُلم ظُلمات، ومقصد ومحور السُّورة يدور حول الخروج من الظُلماتِ إلى النُّورِ، فليس من الممكن أن تتكلم السُّورة عن الظُلماتِ، ولا تذكُر الظُلم، لأنَّهُ من أعظمِ الظُّلُماتِ الَّتي يمكن أن تُعاني منها البشريَّة، وأعلاها الكُفر لأنَّهُ ظُلم من الإنسانِ لنفسهِ. تدبَّروا معي في ذلك التَّرابُط العجيب، والتَّناسُب بين كلماتِ السُّورة من بداياتِهَا ومقصد السُّورة وموضوعاتِهَا. فبعد ذكر الظلمات والنور جاء الحديث عن أعظم الظلمات حين قال سبحانه: “كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) “

لماذا؟ لأنَّ الكُفرَ من أعظمِ الظُلماتِ فبدأ به وقال: “وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ”من الآية 2. أعظم ظُلمة يمكن أن يضع الإنسان نفسه فيها هي ظُلمة الكُفرِ والجهلِ والنِّفاقِ والبُعدِ عن الله عزَّ وجلَّ. وتسلسلت بعد ذلك الآيات في مُواصفاتِ أُولئِك الَّذين يظلمون أنفسهم، في بيان أعلى مواصفاتهم في كلِ زمانٍ ومكانٍ، وهذا لكونها رسالة عالميَّة. ثُمَّ يأتي السُّؤال الآخر ونحن نتكلم عن الظُلماتِ: هل الظُلمات الَّتي يُكلمني عنها القُرآن معنويَّة أم حسِّيَّة؟ نحن نعلم أنَّ القُرآن نزل في بيئةٍ وفي زمنٍ وفي وقتٍ وفي مكانٍ لم تكُن الكهرباء قد اُكتُشِفَتْ بعد (على سبيلِ المثالِ) حيثُ كان يعيش النَّاس في ظلامٍ دامِس إلَّا ما صنعوه من أشياء بسيطة من مصابيح وقناديل بالزَّيتِ لمحدوديَّةِ علم الإنسان حينها. والقُرآن يقول: “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ”من الآية 1. وكما ذكرنا أنَّهُ رسالة عالميَّة، وتُكلمُني اليوم عن الظُلمات، والدُّنيا كلها مُضاءة في عصرنا الحالي، والإنسان توصَّل إلى كُلِّ هذه الاختراعات والاكتشافات، فهل القُرآن يُحدِّثُني عن ظُلمات حسِّيَّة؟ لا. ولكن كعادة القُرآن يُعطيني بل وقد أعطاني بالفعلِ أمثلة ونماذج لظلمات حسِّيَّة. “ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ” من الآية 40 / سورة النور. فالإنسان حين يسير في الظُلمةِ -ومشكلة الظُلمة الحسِّيَّة أنَّ الإنسان يتخبَّط بالرُّغم من أنَّ لديه كل وسائل الإبصار- قد يدوس أشياء تحته ولا يعرف طريقهُ بيسر، ولكن الظُلمات الَّتي يُحدثُني عنها القُرآن هي الظُلمات المعنويَّة الأشدُّ الَّتي يمكن أن تكون في الإنسان ويمُر بها وهو مُحاط بهالة من الأنوارِ والأضواءِ، أضواء حسِّيَّة.

لماذا؟ لأنَّ الظُلم المعنويَّ أقسى وأشدُّ من الحسِّيِّ .

الظُلمة الحسِّيَّة خارج الإنسان في مُحيطِ الأشياء، فيما حوله، ومشكلة الظُلمة المعنويَّة أنَّهَا في داخلِ الإنسان فتكون أقسى وأقوى وأشدَّ وأعظم. ظُلمة المكان أو المحيط الَّذي نحن فيه (الظُلمة الحسِّيَّة) يُبدِّدُهَا نور ومصابيح وقناديل وشموع، والظُّلمة الدَّاخليَّة المعنَويَّة في داخلِ الإنسانِ وكيانهِ لا يمكن لتلك القناديل ولا الشُموع ولا المصابيح أن تُنيرها. هل يستطيع الإنسان أن يُدخل في قلبهِ شمعة؟ لا يستطيع، فكل أضواء ومصابيح الدُّنيا والعالم لا تستطيع أن تُضيء الظُّلمة الَّتي في داخلِ الإنسانِ، إذن هو بحاجة لشيءٍ آخر، ولا يمكن أن يكون إلَّا عن طريقِ سبرِ أعماقِ قلبه ونفسه وذاته والدُّخول فيها. والقادر على ذلك هو الرَّبُّ سبحانه، ولذلك نحن نقول دومًا: القُرآن لا يُقرأ بالشفاهٍ فحسب، القُرآن يُقرأ بالقلب. ولذلك قال تعالى: ” فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ” من الآية 97 / سورة البقرة. حتى يُضاء القلب، لأنَّ الظُلمة المعنَويَّة تكون في القلبِ، فإذا ما دخلت الظُلمة -والعياذُ باللهِ- في القلبِ فكفرَ أو نافق أو انحرف (أمراض القلوب) أو زاغَ كان له حظٌ من الظُّلمةِ بقدر حظّهِ من الكُفرِ أو النِّفاق أو أمراضِ القلوب المختلفة، يُصبح في قلبهِ نُكتة سوداء، ظُلمة ، فالذُنوب تنكُت كذلك في القلوبِ ظُلمة، ولا يُبدِّدُها إلَّا كلام الله والقُرآن. إذن يُخرج النَّاس من الظُلماتِ إلى النُّورِ فذلك أكيد، ولا شيء لا كتاب ولا بشر ولا أحد له القُدرة على أن يُبدِّدَ الظُلمة المعنويَّة في داخلِ الإنسانِ إلَّا هذا القُرآن العظيم “بِإِذْنِ رَبِّهِمْ” من الآية 1.

إذن هل الكلام عن ظُلمةِ القلوبِ؟ نعم، ولذلك في سُورةِ إبراهيم سنجد أشكالًا من ظُلمةِ القلوبِ وعلى رأسِهَا الكُفرُ -والعياذُ بالله- حاجز. ولكُم أن تتأمَّلُوا ونحن نربُط الأحداث والمعاني، قٌريش ولأكثر من عشرِ سنوات ينزل القُرآن عليها وبين ربُوعِهَا، ووديَانِهَا، وسُهولِهَا، وجبالِهَا. فلماذا لم يصلْ ذلك القُرآن إلى تلك القُلوب؟ لأن القلب إذا كان فيه حاجز وظُلمة تطغى عليه، فلا يمكن لذلك النُّور أن يُبدِّدَ تلك الظُّلمَة أبدًا. ولذلك جاء قوله تعالى: “بإِذْنِ رَبِّهِمْ” من الآية 1، لأنَّك لا تخرُج بنفسِك ولا بحولِك ولا بقُوَّتِك، وإنَّما بحولِ الله وقُوَّتهِ، ولذلك في سُورةِ البقرة قال تعالى: ” اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۖ” من الآية 257 .إذن أنت لا تخرج بنفسِكَ ولو كان القُرآن يُقرأ عليك، نعم وذلك بدليل أنَّ قُريشًا كان القُرآن يُقرأ عليها، ولكن هل كُلُّ قُريش خرجت من الظُلماتِ إلى النُّورِ؟ لا. حتى الأُخوة فيما بينهم، منهم من يخرُج ومنهم من يبقى. فمن الَّذي أخرج هذا وما أخرج ذاك؟ قال تعالى: “بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)”.

وتدبَّروا معي في الكلمة “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” من الآية 1. هل بقيت هذه الخاصيَّة في كتابِ الله؟ هذه من أعظمِ خصائصِ رسالة القُرآن، والقُرآن لا يتغيَّر ولا يتبدَّل إذ حفظ الله فيه كل هذه الصِّفات، يعني هل للقُرآن القُدرة اليوم على أن يُخرجنَا مما نحن فيه من ظُلماتٍ، ومن هذه الويلات الَّتي تُعاني منها البشريَّة اليوم؟ بِكُلِّ تأكيد، وحين يُخرجُهُ إلى النُّورِ ما هي تلك المـُواصفات لذلك النُّور؟ “صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” من الآية 1 . هذا الجسر الطويل الممتَد أمام الإنسان إلى أن يُوصله إلى الجنَّةِ قال تعالى: “صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” من الآية 1 .

تدبَّروا في الرَّبطِ إذ قال تعالى: “لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” من الآية 1 . كم مرَّة نقرأ يوميًّا ” اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ” آية 6 / سورة الفاتحة؟ والآية في سورةِ إبراهيم: “إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” من الآية 1 . أنا أدعو من كُلِّ قلبي في كُلِّ ركعة “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ” آية 6 / سورة الفاتحة . ولكن لا ولن تتحقق هذه الهداية بعيدًا عن هذا القُرآن العظيم حصرًا. بأيِّ شيء تكون الهداية؟ بهذا الكتاب “أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ” إذن الصراط طريق طويل، ما الَّذي يُبدِّد الظُلمَة في أيٍّ من هذه الطُّرق؟ في أيِّ طريق أمشي فيه؟ الكتاب المنير المبين، النُّور الَّذي يحملهُ هذا القُرآن، والَّذي يُفرِّق بين الشَّك واليقين، بين الحقِّ والباطلِ، بين الصَّحِ والخطأِ، بين القليلِ والكثيرِ، بين الفتنِ. ونحن اليوم كبشر حتى في القراراتِ البسيطة في حياتِنا أحيانًا نحتار بين أمرينِ متضادينِ يضعانِنا في حالةِ صراعٍ، ولذا فنحن بحاجة إلى النُّور، فمن أين يأتي؟ وما مصدرهُ في حياتنا؟ إنه كتاب الله. هذا النُّور يُبصِّرُني، و كلما ازددتُ علاقةً وحُبًّا به وارتباطًا وتعلُّقًا بهِ وقراءة له بقلبي وليس بتحريكِ الشِّفاه فحسب ازداد النُّور في حياتي. علاقة طرديَّة إذا أردت أن يجعل الله لي نُورًا فلا بدَّ أن تزيد العلاقة بيني وبين الله من خلالِ كتاب الله عزَّ وجلَّ وتلاوته بقلبي، لأنَّ محلَّ الظُّلمة أو محلَّ النُّور هو القلب، القلب يُظلِم -والعياذُ بالله- وإذا أظلم أصبح كالبيتِ الخَرِب، ولذلك البشر حتى لو كانوا يسكنون قُصورًا إذا كانت مُظلمة ليس فيها أنوار ولا مصابيح لا تُسكن، ونحن في حياتِنا اليوميّة إذا بُني البيت لا يُسكن حتى يصير به أسلاك الكهرباء وتوصيلاتها ويُنار، فكيف يسكُن الإيمان قلبًا خرِبًا مُظلمًا؟

ولذلك تدبَّروا أيضًا في أحاديث النَّبي صلى الله عليه وسلم حين يصف الإنسان المؤمِن الَّذي لا يقرأ القُرآن ولا يداوِم على تلاوتهِ بأنَّهُ بيت خرِب فما الَّذى يعمُره؟ إنه القُرآن. إذا خلا القلب من القُرآنِ خَرِب وأظلم، إذا أردت في قلبك نُورًا فجدِّد العلاقة مع القُرآنِ إيمانًا وتلاوةً وتدبُّرًا وفهمًا. من الَّذى أنزلَهُ إليك؟ قال تعالى: “كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ” من الآية 1، إنه”اللَّهِ” ومن هو الله ؟ هو الَّذي يُعرِّف عبادَهُ بذاتهِ عزَّ وجلَّ في هذا الكتاب الكريم

بعض الأشخاص خاصةً في هذا الزَّمن الَّذي انتشرت فيه بعض الأفكار الإلحاديَّة والبُعد عن الله يقول لك: كيف تُؤمِن بشيءٍ لا تعرفه؟ ألا تعرف الله ؟! هل أنت جادٌّ أنَّكَ لا تعرف الله ؟! انظر كيف يُعرِّف القُرآن النَّاسَ بالله عزَّ وجلَّ، إذ قال تعالى: “لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ”من الآية 2 ، ألا زلت لا تعرفه؟ وهو الَّذي كلُّ شيء بيدهِ عزَّ وجلَّ، ولذلك جاء الخطاب قاسيًا شديدًا في آخرِ الآية إذ قال تعالى: “وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” من الآية 2

لماذا جاء الخطاب هكذا؟ كل هذا ولا يعرفون الله؟ القُرآن ينزل وآياتهِ تُتلى، والكون يصدح بقُدرةِ الله عزَّ وجلَّ، صحيح أنت لا تراهُ سبحانه، لا تُدركهُ الأبصار، ولكن ترى آثار رحمته وقُدرتهِ وخلقهِ إذ إنَّهُ “لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ” من الآية 2. وكل هذا الكون والقُرآن ولا زال الإنسان يكفُر! ولذلك جاءت الدَّعوة في هذه السُّورة مُنــذ البداية “وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” من الآية 2، ثُـمَّ جــاء سبحانه وتعالى بأعظمِ صفة يمكن أن تحول بين الإنسانِ والإيمان بالقُرآنِ والرِّسالة بأخطر مرض، ليس فقط ذلك المرض الَّذي أصاب قُريشًا إذ إنَّهُ يُصيب الإنسانَ في كُلِّ وقتٍ وزمانٍ

الإشكاليَّة الخطيرة في حياتِنا اليوم نتوصل إليها من قوله تعالى: “الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ” من الآية 3. بمعنى آخر: أن يُؤثِرَ الإنسان الحياة الدُّنيا على الآخرة، يُؤثِر الفاني على الباقي، والسُّؤال الَّذي يطرح نفسه: يا تُرى لماذا الإنسان يُؤثِر الفاني (الدُّنيا المؤقَّتة) على الباقي (الآخرة)؟ من الَّذي يُجيبُني عن هذا السُّؤال؟ هذه ظُلمة أن تملك الدُّنيا قلب ذلك الإنسان فيتيه في دروبِها جمعًا وأخذًا وعطاءً وردًّا وخروجًا ودخولًا تُصبح الدُّنيا أكبر همهِ ومبلغ علمهِ. وربِّي عزَّ وجلَّ يجعل فقره بين عينيه، ولا يأتيهِ شيء من الدُّنيا إلَّا ما كتبهُ الله له. والسُّؤال: ما المخرج من هذه الظُلمة؟ القُرآن ولا شيء غير القُرآن، والبشر إن لم ينزل عليهم، ولم يكُنْ لهم هذا الكتاب العظيم الَّذي يُذكِّرهُم آيةً بعد آية بقيمةِ الحياة الحقيقيَّة، وأنَّ الدُّنيا رحلة بسيطة مُؤقَّتة، وأنَّ الباقيَّة هي الآخِرة، هذه ظُلمة لا يمكن أن يخرجوا منها، وإذا دخل الإنسان في دهاليزِها لن يخرج منها أبدًا، أودية الحياة والتَّكالُب على الدُّنيا ظُلمة

ولو سألنا اليوم أكثر النَّاس في استطلاع للرأي: ما هو أكثر سبب ممكن أن يُشقيكَ في حياتِكَ؟ بطريقة أو بأُخرى ستجده الدُّنيا، فلا يمكن إلَّا أن يكون له علاقة بالدُّنيا، إذن ما الَّذي يُخرجني من الظُّلمة؟ إنَّهُ القُرآن حيثُ إنه يُعيد الأُمور إلى نصابِها في حياتي، فقد تكرر فيه قوله تعالى: “وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ” من الآية 26 / سورة الرعد. فيُعرِفُنى بها حيثُ إنى عندما أكون بعيدًا عن القُرآن فلن أعرف، ولو سألنا ونظرنا في أحوالِ البشريَّة اليوم: أُممًا، مجتمعاتٍ، أفرادًا، ما هو سرُّ شقائهم؟ السرُّ أنَّهَم يؤثِرون الدُّنيا على الآخرة، أو ربما لا يعرفون الآخرة أصلًا؛ إذ جعلوا الدُّنيا فقط هي محطّ النَّظر، لا يعملون حسابًا لشيء، وذكرنا ربما في مراتٍ سابقة أنَّ إشكاليَّة خطيرة وتحدِّيًا كبيرًا للإنسان المعاصِر اليوم أنَّهُ حتى حين يطلب الآخرة بات يطلُبها وقلبه مُعلَّق بالدُّنيا، وعلى سبيلِ المثال: يذهب للحج أو العُمرة والعقل يُفكِّر في الدُّنيا، وفي الصَّلاة يقف دقائق معدودة بين يدي الله وعينه وقلبه وفكره في الدُّنيا، فتنة عظيمة لن يخرج منها إلَّا بهذا القُرآن، والحل: التعلُّق بكتابِ الله عزَّ وجلَّ، وتلاوته بالقلبِ، ليُخرج تلك الظُّلمة من القلبِ. وعندها ماذا سيحدُث؟ سيستنير القلب بنور القرآن، ولذلك القُرآن يقول في سُوَرة الأعلى: “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ” الآية 16 وتجهلون أمر الآخرة “وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ ” الآية 17.إذن هذا مرض وظُلمة ولا سبيل للخلاص منه إلَّا بالقُرآنِ

ما هي الإشكاليَّة الخطيرة الّتي تُقدِّم الإجابة عنها سورة إبراهيم؟ أن الإنسان حين يؤثر الدنيا على الآخرة ستصبح تصرفاته وقصده الإعراض عن سبيل الله تعالى وصدَّ الناس عنه والطَّريق الَّذي وصفهُ القُرآن في الآياتِ الأُولى حين قال: ” صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ” من الآية 1، ولذلك جاءت الآية فقال تعالى: “الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ”من الآية 3. إذن لم يعُد الحب للدُنيا فحسب بل إيثار لها أيضًا مما يدفع بالإنسانِ إلى الصدِّ عن سبيلِ الله

أهل الدُّنيا لا يمكن أن يتركوا الآخرين هكذا فماذا يفعلون؟ دعوة إلى الباطل، وصدّ عن سبيل الله، وعظمة الآية والكلمة القُرآنيَّة الَّتي جاءت: “وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ” من الآية 3. أي يُقيمون حواجز بين البشرِ وبين سبيلِ الله مُمثلة في الإعلام أو الثقافة أو الكتب وكل ما يمكن أن يخطُرَ على قلبِ البشريَّة، ولذلك ملاحظات يُلاحظُهَا كثير من عُلماءِ النَّفس حتى الغربيون منهم وليس المسلمون فحسب أو الَّذي يقرأ القُرآنَ أنَّ من أخطرِ سمات هذا العصر ذلك الزَّج الفظيع بالجوانب الماديَّة الشَّهوانيَّة على حسابِ إنسانيَّةِ الإنسان، ليتحول الإنسان إلى كائن كلُّ همه تلبية الشَّهوات، كائن حسِّيٍّ مائة بالمائة

من أخطر الأشياء الَّتي بات علماء النَّفس والاجتماع وغيرهم يُحذِّرون ويصرخون منها أن يا بشرية استيقظوا الإنسان ليس بكائنٍ حسّيّ! نعم فيه جوانب حسِّيَّة، ولكن الروحانيات هي أعلى وأجلُّ، والإشكاليَّة الخطيرة الَّتي تُواجه البشريَّة اليوم أنَّ البشريَّة أصبحت تدور في رحى الماديَّةِ والحسِّيَّة. كل شيء من حولنا بدأ يُركِّز على الجوانب الحسِّيَّة طعامًا، شرابًا، لباسًا، نُزهةً، كل شيء حسِّيّ لدرجة أننا حتى في بحثنا عن الأنوارِ نُركِّز على الأنوارِ الحسِّيَّة، وإلَّا قُل لي بالله: لماذا يستهلك البشر الكثير من الكهرباء؟ كثير من الأشخاص في حياتنا وحتى في مجتمعاتنا أصبحوا فعلًا ينساقون إلى هذه الجَّوانِب: التَّعلُّق بالأنوارِ الحسِّيَّة، هذا تعبير فيه لمسة ليست بعيدة عن الواقعِ ولا عن الحقيقةِ. في النَّفسِ ظُلمة لا تُبدِّدُهَا هذه المصابيح بل تُبَدِّدُهَا أنوار الكتاب العظيم، وتأخُذ بالإنسان من ذلك السباق المحموم، والجري وراء الحِسِّ في مِضمارِ وعالم الحِسِّ إلى عالمِ الرُّوحِ الَّذي لا يمكن أن يُفصلَ الإنسان عنه، فالإنسان بطبيعتهِ مُؤمِن أو كافِر خُلِقَ من جسدٍ وروحٍ، فإذا أنت غذَّيت الجانِب الجسدي فقط، وتركت وأهملت الجانِب الرُّوحىّ فماذا سيحدُث فيه؟ ظُلمة في الرُّوحِ لا تُبدِّدُها مصابيحُ الحِسِّ، ولن يعود إليه النُّور إلَّا بالرُّجوعِ إلى هذا الكتاب العظيم، ولذلك جاء هنا الصدُّ عن سبيلِ الله.

الإشكاليَّة الخطيرة أنَّ الإنسان كلما ازداد توغُّلًا في الظُلمةِ المعنويَّة أصبح يريد أن يقودَ أكبرَ عدد من النَّاسِ ويجُرُّهم إلى تلك الظُّلمةِ معه. وكمثال بسيط: أحيانًا نرى الطِّفلَ عندما يوجد في مكان مُظلِم يخاف نتيجة لثقافة أو أشياء مختلفة وهو لا ينبغى أن يخاف ولكنه طفل، والمهم أنَّهُ في هذا الموقف ماذا يفعل؟ بيدِ من سيمسك ؟ أُم، أب، كبير، صغير، أي أحد يتشبث به لما يشعُر به من خوف. فالظُلمة خوف، وتأتي معها عشرات المشاعِر السَّلبيَّة واحدة منها الخوف. الإنسان الَّذي يعيش في الظُّلمةِ المعنويَّة يجُرُّ أكبر عدد من النَّاسِ إليها في مُحاولة يائسة بائسة للخلاصِ من الظُّلمةِ، ولذلك هو أشدُّ حرصًا على الصدِّ عن سبيلِ الله، لماذا لا يكتفي بنفسهِ بالسيرِ في طريق الغِواية؟ من الخوف الَّذي يشعر به، من وحشةِ الظُّلمة والطَّريق، فيتوهَّم أنَّ الَّذي سيُبدِّدُها كثرة السالكينَ في الضَّلالِ معه

ومن عظمةِ وإعجازِ سورةِ إبراهيم أنَّها قدَّمت نموذجَ قومِ موسى، ونموذجًا يُذكِّر بفِرعون الَّذي جرَّ كُلّ من حولهِ إلى طريقِ الضَّلالة والظُلمة، وصدَّ عن سبيلِ الله، ولو تأملنا اليوم في حالِ الظالمينَ وكل أُولئِكَ الَّذين حادوا عن جادةِ الصَّوابِ وعن النُّورِ لوجدناهم أشدَّ حرصًا على إضلالِ غيرهم من أي شيءٍ آخر، وعلى سبيلِ المثالِ: أحيانًا حين يشاهد الإنسان بعض وسائلِ الإعلام يرى دعوةً بإلحاحٍ، ليس للفسادِ أبدًا بل للإفسادِ، والَّتي تندرج تحت الصدَّ عن سبيلِ الله. وكلما ازداد تعلُّقًا بالدُّنيا وتمسُّكًا بها زادت الظُّلمة، وكلما زادت الظُّلمة زادت الوحشة والخوف في القلبِ، وكلما زاد الخوف والوحشة تراه أشدَّ حرصًا على الصَّدِّ عن سبيلِ الله، ولذلك في سورةِ إبراهيم سيأتي مثالانِ على ذلك، المثال الأول يتمثَّل في الظَّالمين. فالظَّالم لا يمكن أن يبقى ظالمـًا لوحدهِ إذ إنَّهُ أشدُّ حرصًا على أن يُدخِلَ معه أكبر عدد من النَّاسِ والظَّالمين في ظُلمه، فلا يكتفي بظُلمهِ هو فقط بل لا بد أن يكونَ له أعوان للسيرِ وليكوِّن مجموعة. وفي سورةِ إبراهيم ربَّي عزَّ وجلَّ أعطاني مثالًا بعد آياتٍ إذ قال: “وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ” من الآية 21. لماذا يأتي القُرآن بهذا المثل في سُورةِ إبراهيم؟ نموذج حيٌّ لأوُلئِكَ الَّذين ساروا في الظُّلمةِ من الأقوياء المستكبرين الظَّالمين الَّذين كانوا أشدَّ حرصًا على وجودِ أتباعٍ لهم عن طريقِ الصَّدِّ عن سبيلِ الله. وكما سبق وذكرنا أنَّ السَّبيلَ لخروجِ البشريَّةِ من هذه الدَّوامة هو القُرآن العظيم. ونموذج حي لهؤلاءِ كُفَّار قُريش، لأن الملأ من صناديدَ قُريش هُم الَّذين وقفوا في وجهِ الدَّعوةِ فصدُّوا الناسَ عن سبيلِ الله. وجديرٌ بالذِّكرِ في هذه الجُزئيَّة (تعليقًا وتعقيبًا) أنَّ الإنسانَ له إرادة والمفروض أن يتحرَّرَ. والقُرآنُ في سُورةِ إبراهيم يُحرِّر البشرَ (كما سنأتي عليه)، ولكن هذا نموذج فقط لأولئِك الَّذين قالت عنهم السُّورة في البدايةِ “وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ” من الآية 2. لمَ العذاب الشديد؟ لأجلِ هذه المواصفات، قال تعالى: “وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” من الآية 3. هؤلاء القوم من مُواصفاتِهم كلما رأوا شيئًا صحيحًا أرادوا أن يجعلوه مُنحرِفًا مُعوجًّا، لا يريدون أن يروا النَّهارَ نهارًا، ولا الخير خيرًا، ولا القيم قيمًا، ولا الصِّدق صدقًا، ببساطة شديدة لأنَّهُم لا يتمتعون بتلك الأنوار، أنوار الأعمال الحَسَنة. فالحسَنَة لها نُور في الوجهِ، وكذا القُرآن له نُور في الوجهِ والقلبِ، وكذلك الأعمال الصَّالحة، وهم لا يريدون هذا النُّور، ويصُدُّون عن سبيلِ الله، إذن ماذا سيفعلون؟ قال تعالى: “وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا” من الآية 3. بأيِّ شيء؟ كلما رأوا شيئًا صحيحًا أرادوا بكُلِّ الوسائل أن يجعلوه مُعوجًّا مُنحرفًا زائِغًا، حتى الفِطرة الَّتي فطرَ الله سبحانه النَّاسَ عليها والَّتي لا تبديلَ لها الآن يريدون أن يُبدِلُوها بانحرافاتِهم، بباطلِهم وزيغِهم، فالإنسان على هذه الشَّاكلة يُسمى شاذًّا -والعياذُ بالله – وهو لا يكتفي بشذُوذهِ وانحرافهِ بل يُريد أن يجعل من الانحرافِ والشُّذوذِ والشيء المعوج صحيحًا بإضفاء الشَّرعيَّة عليه.

لماذا؟ لأنَّ عدم الشَّرعيَّة والظَّلام وما يفعله كل ذلك يُؤرِّقُه، ونحن اليوم ببُعدنا عن هذا الكتاب العظيم عِوضًا عن أن نأخُذ بيد المريض إلى العياداتِ للعلاج أصبحنا نُربِت على كتفيه، ونعدُّه واقعًا فرضَ نفسَهُ علينا ، هذا مُخزٍ ومُؤسِف ولا يمكن أن يحدُث أبدًا إلَّا حين يبتعد الإنسان عن النُّورِ، فلا يعُود يرى الأشياء كما هي وهذه حقيقة، ولو قرأنا أيَّ كتاب يتحدث عن تاريخِ الشُّذوذ الَّذي هو قضيَّة أخلاقيَّة لوجدنا أن بدايته في أمريكا إذ بدأ في علاجاتِ الطّب النَّفسيّ لأنَّهُ انحراف وشُذوذ ، وفي معاجم وقواميس اللغة وعلم النَّفس هو مرض وشُذوذ، وهكذا هي النَّظرة إليه، ولكن ماذا فعل أهل الفساد والإفساد أهل الظُّلمة؟ يريدون أن يُضفوا على ذلك الظَّلام نُورًا وهيهات!

ليست الإشكاليَّة في هذا بل الخطورة في النَّاسِ الَّذين أكرمهم الله بهذا القُرآن العظيم وهم يقرؤونه ليلَ نهار، ويفتحونَ أبوابهم لأمثالِ هؤلاءِ، ويعدُّونه واقعًا فرضَ نفسهُ. لا، الواقع لا يفرض نفسهُ بل أنت وأنا الَّذين نفرضه. الواقع جند من جنودِ الله لا يمكن أن أحتجَّ به على شرٍ وعلى خطأٍ وعلى باطلٍ، إنَّما هو ضعف النَّفس البشريَّة وأصبح واقعًا

قبل سنوات عندما كان المرء يذهب إلى أحد المحال التجاريَّة، ويرى بعضًا من هؤلاءِ يشعُر بشيء من الاشمئزازِ والألمِ ويستغرِب وانتهى، والآن يومًا بعد يوم وعامًا بعد عام أصبح هناك تطبيع للشُذوذ والانحرافِ، تطبيع لأجلِ أن يجعلوه من الطَّبيعةِ البشريَّة. إذن “وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا” من الآية 3. في كُلِّ شيء، وأهل الاعوجاج الَّذين تُحذِّرُنَا منهم سورة إبراهيم (إذ جاءت بنماذج) لن يقبلوا أن تبقى أنت هكذا جيّدًا وتعيش وِفق منهج القُرآن ويتركوك في حالك، أبدًا! ولا في الأحلامِ، ولن يتركوا لك ولا بُقعة صغيرة تعيش فيها

تعالوا ننظر إلى خطوات الإفساد التي بصَّرنا الله تعالى بها في الآيات:”يسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ” من الآية 3، والخُطوة الثانية”وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ” والخُطوة التَّالية “وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا” من الآية 3. والنتيجة ” أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ”. من الآية 3. ليست الإشكاليَّة أن يكون أهل الباطل في ضلالٍ حين يختارون الضَّلالَ والباطلَ لهم منهجًا، ولكن الإشكاليَّة حين يُصبح أهل الحقّ منساقين معهم إلى ذلك الضَّلال” أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” من الآية 3.

وتدبَّروا معي في الكلمة، وتدبَّروا معي في الثُّلاثيَّة الَّتي تأتي بها سورة إبراهيم

أي ثُلاثيَّة؟ ظُلمات، ظُلم، ضلال، إذ إنَّها أكثر مُفردات ذُكِرت في سورةِ إبراهيم، ولا تنفك الواحدة منها عن الأُخرى، فتأتي هكذا معًا كــباقة أو عرض خاص لكل أُولئِكَ الَّذين لا يرضون بالقُرآن منهجًا في حياتِهم. ومن أخطرِ الأشياءِ أن يقعَ الإنسانَ في ظُلمِ بشرِ، ولو بكلمة لأنَّ الظُّلم يقود إلى الظُّلمة، وتدبَّروا في التَّناسُبِ والتَّرابُطِ حتى في جذرِ الكلمةِ وحروفِهَا: ظُلم، ظُلمات، ظُلم، ظُلمات، ضلال.

هذا كتاب الله نور مبين، فلمَ وصف بهذا الوصف الرائع؟ لأنَّهُ يُبصِّر الإنسانَ بكل هذه الدقائقِ الَّتي نتكلم عنها الآن، والَّتي ما كان لنا أن نعرفها بعيدًا عن القُرآنِ، إذ قال تعالى: “أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” من الآية 3. والنَّتيجة ضلال المناقِض للهدايةِ. إذن ظُلمة ونُور ولا يوجد بينهما شيء في المنتصَفِ، فإما ظُلمة أو نُور ولا وجود لأنصافِ الحلولِ الَّتي هي في الأصلِ ضلال، إشكاليَّة خطيرة فنحن اليوم في واقعنا وحياتنا لدينا إشكاليَّة أنصاف الحلول. بعض الأشخاص وبعض المسلمين يريدون نصف إسلام إذا جاز التَّعبير ولن يكتفوا بالنصفِ، بعد كم سنة يريدون الرُبع، ولن يكتفوا بالرُبعِ، وسيقولون في يومٍ من الآيام: الرُبع كثير، وسينزلون إلى ما دونه حتى يبقى للإسلام الاسم فقط، ومن يدري حتى الأسماء وكل الأشياء ستتغيَّر.

لماذا؟ الإجابة في سِياقِ ما أتت به سورة إبراهيم العظيمة في وصفِ الكلماتِ وفي الكلماتِ، وتُؤكِّدهَا في الآيةِ الَّتي بعدها حين يُحدِثُنَا القُرآنُ في سورةِ إبراهيم عن قصَّةِ موسى عليه السلام عن طبيعةِ الظُّلمة أنَّهَا تنتشر، وطبيعة النُّور أيضًا أنه ينتشر فلا يمكن وجودهما معًا في مكانٍ واحدٍ، أليس كذلك؟ بمعنى آخر أنَّهُ لا يمكن أبدًا أن يكون هناك مكان مُظلِم ومُنير في نفسِ الوقت. أنصاف الحلول غير ممكنة! ولذلك النِّفاق هو نصف حل عند من نافق إذ قالوا: “آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ” من الآية 72 /سورة آل عمران. هُم ليسوا أغبياء هل يضيء نصف مصباح؟ لا ينفع. وبعض المسلمين للأسفِ الشَّديد اليوم يريد نصف قُرآن ورُبع قُرآن! إن الأخذ ببعض أحكام الدين وترك بعض، إنما هو ظلمة تعزل الدين عن واقع الحياة، وقد استنكر الله عزَّ وجلَّ هذا الفعل حين قال تعالى: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ ” من الآية 85/ سورة البقرة

القُرآن كُلٌّ، حتى حين تُسبِّح تذكَّر أن الكون كله يسبِّح. قال تعالى:”سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” آية 1/ سورة الحديد.آية جعلت الواقع محرابًا للتسبيحِ، فالَّذي يفهم يُدرك فعلًا هذه المعاني في القُرآنِ والدّينِ، لذلك لم يكن نبينا صلى الله عليه وسلم يقبل ولا يُشجِّع على أنَّ يبقى الإنسانَ ساعات طُوالًا جالسًا في مكانهِ يُسبِّح فقط. بل اخرج إلى العمل وسبِّح، اكتب وسبِّح، كُن في المختبر وسبِّح، ولكن أن تجلس عاطلًا عن العمل وتُسبِّح فلا. مبدأ غير مقبول لأنَّ عملك تسبيح، فأضِف إليه تسبيح اللسان والقلب، تسبيح الجوارح. كيف تُسبِّح الجوارح؟ القُرآن كتاب يُعلِّم الإنسانَ أنَّ الجوارحَ تُسبِّح، تُسبِّح بإتقانِ العمل وليس التسبيح على اليدِ فحسب، إذ تُسبِّح أيضًا بحرَكتِكَ الإيجابيَّة الصَّالِحة في واقعِ الحياةِ، تُسبِّح حين تحمل عبئًا عن الآخرين، حين تُصافِح النَّاسَ وتتواضع لهم، وهذا معنًى عظيم من معاني التَّسبيح غاب عن حياةِ بعض النَّاس عندما لم يعُدْ النُّور نُورًا، والقُرآن لم يعُدْ يُعطي ويُؤدي هذا الدَّور العظيم الَّذي وصفه به الكتاب الكريم في هذه السُّورة الكريمة

والواقع أنَّ الإنسانَ حين يُقيم حاجزًا بينهُ وبين ذلك النُّور فما عاد يرى النُّور. وتدبَّروا معي في الرَّبطِ الَّذي جاء في الآيةِ الرَّابعةِ من السُّورةِ مُباشرةً بعد: “أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ” من الآية 3. جاء قوله تعالى: “وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) ” ولكنه سبحانه وتعالى يُضِل مَنْ يُضِل لأنَّهُ استحبَّ الضَّلالَ على الهُدى، واستحبَّ العمى والظُّلمةَ على النُّورِ، وإلَّا فبالله عليكم قولوا لي اليوم: أليس هناك من البشرِ من يستحبَّ الظَّلامَ على النُّورِ؟ ظُلمة الجهل على نُورِ العلم، ظُلمة الضلال والفساد على نُورِ الصَّلاح، وإلَّا متى كان الفساد والخراب والدَّمار والحروب والنِّزاع والصِّراع والقتل والدَّم والسَّفك والتَّعصُّب متى كانت كل هذه نُورًا؟ ولن تتحول إلى نُور، ولذلك سنأتي في سورةِ إبراهيم عليه السلام على أنَّ نصيبك من النُورِ بقدرِ نصيبك من القُرآنِ، وعملك في القُرآنِ وبالقُرآنِ في واقعِ حياتِكَ، تمشي بين النَّاس بالحقِّ، بالخيرِ، بالإصلاحِ، بالعطاءِ، بالمحبةِ، بالسَّلامِ، بتقريبِ القلوبِ وتأليفها ستجد النُّور في حياتِكَ. ولو لاحظنا في حياتِنا اليوميَّة العمل الصَّالح النَّافِع الَّذي يمتدَّ نفعُهُ لأكبرِ عدد من البشرِ ترى نُوره في قلبِكَ، في صلاتِكَ، في تسبيحِكَ، في خُشوعِكَ، في كل شيء في حياتِكَ ترى نُورًا تتحسَّسهُ، هو معنوي، ولكنَّكَ تشعُر بهِ ولا تخاف من الظُّلمةِ

ولكن بعكسهِ تمامًا الفساد والشَّر والنِّزاع والتَّخريب والحروب والدَّمار والتَّعصُب -كما سبق ذكره- و تمزيق القلوب، فهذا كُله لا يمكن أن يأتي بنُورٍ. لن يأتي إلَّا بمزيدٍ من الظُّلمة، ومن أخطرِ الأشياء في حياتِنا أن نقعَ في الظُّلمةِ، وننجر إليها دون أن نعلم مثل هؤلاء الَّذين ضُرِبَ لهم في سورةِ إبراهيم مثلٌ “إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا” من الآية 21. من أخطرِ الأشياء الَّتي ستتعرَّض لها سورة إبراهيم إلغاء الفِكر والعقل، والتَّبَعيَّة للظالمين المظلمين. فأُولئِكَ الَّذين يفتحون أبواب الظُّلمة للآخرين. فما الَّذي يحرُسني ويحميني منها؟ القُرآن فقط الَّذي يجعل الإنسان حُرًّا مُبصِرًا يعيش في نُور على كثرةِ الظُلمات من حولهِ لأنَّ الفِتنَ ظُلُمات، ونحن في عصرٍ اشتدَّت فيه الفِتن فاشتدَّت فيه الظُّلمات، ولا ملجأ ولا مفر ولا منجى إلَّا بهذا الكتاب العظيم الَّذي يبصِّرُنى بالنُّورِ في حياتي.

السَّلام عليكم ورحمة الله وبركات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *