الحلقة الثالثة من وقفات في تدبر سورة النساء

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا زلنا في تدبر سورة النساء العظيمة تلك السورة التي جاءت بقيمة العدالة وأقامت تلك القيمة العظيمة على دعائم من التوحيد والإيمان بالله سبحانه وتعالى وأعطت منهجًا في تطبيق هذه القيمة وغيرها من قيم الحرية والمساواة الملازمة للعدالة في داخل ضمير الإنسان وفي داخل البنية الصغيرة من الأسرة، البيت الصغير، اللبنة الأولى التي بناها القرآن لأجل أن يؤسس المجتمع والدولة والعالم ويقيم كل هذه التأسيسات على دعامة الإيمان والتوحيد لا ضمانة لقيمة العدالة والحرية والمساواة دون رصيد كاف من الإيمان بالله والتوحيد.

وكنا آخر ما قد توقفنا عنده قضية حل النزاعات في محيط الأسرة وقلنا كيف أن القرآن العظيم علم الرجل والمرأة تطبيق إدارة الصراعات أو الخلافات فيما بينهما في الحقيقة ليس هناك صراعات، فالقرآن يقيم العلاقة بين الرجل والمرأة على أساس التكامل والتعاون والتعصاد فينا بينهما لا الضدّية أو الندّية أو الصراع أما النزاعات والخلافات فهي أمور طبيعية يمكن أن تحدث في أي محيط اجتماعي في أي تفاعل إنساني بين الإنسان وغيره فكيف لا يكون في محيط الأسرة. لكن القرآن لأنه كتاب من عند الله سبحانه وتعالى العليم الخبير وهي الكلمة التي ختم الله سبحانه وتعالى بها الآية التي علّمنا فيها كيف ندير الخلافات فيما بيننا (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا) [النساء: 35] لأن القرآن من لدن عليم خبير أعطى لهذا المنهج البُعد الواقعي، البعد الإنساني فالله سبحانه عالمٌ بأن الطبيعة التفاعلية بين الإنسان، رجل وامرأة في محيط الأسرة في محيط الزواج في محيط المجتمع والتعامل لا يمكن إلا أن يحدث فيما بينهما أنواع من الخلافات أنواع أحيانا ممكن أن يكون نزاع ولكن الخلاف والنزاع لا يعني أبدا أبدية الصراع ولا يعني وقوع الخلافات أنه ليس من سبيل لحلّها والتعامل معها ومحاولة الاستمرار في بناء ما هو أهم، بناء الأسرة.

لذلك في الآية التي تليها ربي عز وجلّ ذكّر الإنسان الرجل والمرأة بأن القيمة الحقيقية التي يمكن أن تحكم محيط العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية قيمة التوحيد، العلاقة بالله سبحانه وتعالى ولذا جاء في قوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾) التذكير بعبادة الله عز وجلّ في خضم الحديث عن العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية، إحسان العلاقة في محيط الأسرة، إحسان العلاقة مع الوالدين، إحسان العلاقة مع الأقارب والجيران والزملاء في محيط العمل والحلقات الأخرى في المجتمع (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أبدًا لا تخرج عن عبادة الله سبحانه والتوحيد. العلاقات الاجتماعية سلسلة من سلسلات العلاقات والعبادات التي يتقرب بها المؤمن لخالقه عز وجلّ، بمعنى آخر العبادة التي تبنيها سورة النساء ليست عبادة محصورة فقط في الصلاة كما سيأتي ذكرها أو في الزكاة أو الصدقات أو ما شابه وإنما هي سلسلة من الروابط والعلاقات الاجتماعية. علاقاتنا بالآخرين نوع من أنواع العبادة والتقرب لله محكومة بإطار التوحيد فكلما ازداد الإنسان تقرّبا وتوحيدًا لخالقه ازداد إحسانًا واتقانًا في مجال العلاقات والروابط الاجتماعية والأسرية هكذا يربينا القرآن. الروابط الاجتماعية لا تقام إلا على عين التوحيد فكلما ازداد الإنسان توحيدًا لخالقه، مراقبة لخالقه استشعارًا بأن الله سبحانه وتعالى رقيب عليه رقيب على ضميره، رقيب في اتقانه لمديات تلك العلاقات الاجتماعية ازداد إحسانًا، انعكس ذلك إحسانًا واتقانًا في مجالات العلاقات الاجتماعية. ولذلك ربي عز وجلّ في هذه الآية العظيمة (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) جاء بلفظ الإحسان والإحسان أعلى مستويات الاتقان ليس فقط في العلاقات الاجتماعية وإنما حتى في محيط العمل ولذلك القرآن يحفل كثيرا بفضيلة الإحسان ويجعل الإحسان أعلى مرتبة من مراتب التقرّب لله سبحانه. ولربما حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين عرّف الإحسان فقال: “الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. أعظم مؤشر على مجالات الإحسان في العلاقات العلاقات الاجتماعية التي جاءت بذكرها الآية. ثم اللافت للنظر أن الله سبحانه وتعالى ختم هذه الآية التي حوت كل العلاقات الاجتماعية: الإحسان في التعامل مع الوالدين قولًا وفعلا حياة وموتًا الإحسان للوالدين والبر بهما لا يتوقف عند حياتهما فقط بل يمتد إلى ما بعد الوفاة ليجعل الإنسان المؤمن في قمة الوفاء ولا يتوقف الوفاء عند حياة الوالدين بل يمتد لما بعد الوفاة بعد الموت حين يكونان الوالدن فعًلا أشد ما يكونان حاجة إلى ذلك البر والوفاء. هذه السلسلة من علاقات الوفاء تغذيها مبادئ الإحسان يمتد إحسان الإنسان إلى والديه بعد الوفاة برًا وصدقة ودعاء وإحسانًا لأهلهما وإحسانًا لكل من يعرفانهما أو ممكن أن تربطه بهما علاقة صدقة أو علاقة جيرة أو معرفة، هكذا يربي القرآن الإنسان. ثم تمتد سلسلة العلاقات الاجتماعية إلى الجار القريب الملاصق للإنسان في مسكنه والجار البعيد وتمتد من الجار إلى الصاحب وتمتد من الصاحب إلى الإنسان الغريب الذي انقطعت به السبل ابن السبيل إنسان لا أعرفه ولكن فضيلة الإحسان التي تبنيها سورة النساء لا تجعل ذلك الإحسان مرتبطًا بزمان أو بشخص أو بمعرقة أو مكان تجعله للإطلاق أقرب منه للتقييد “ابن السبيل” الإنسان الذي لا نعرفه يمتد إليه إحسان المؤمن فإن كنت لاتعرفه فإن الله سبحانه يعرفك ويعرفه وطلب منك وأراد منك أن تُحسن إلى هؤلاء، كل تلك الفئات في المجتمع. ثم قال (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) حلقة من الحلقات التي كان المجتمع الجاهلي ينظر إليها على أنها الحلقة الأضعف ولكن المجتمع الجاهلي الذي جاء القرآن ليقيم العلاقات فيه ولكن ليس على مبدأ القوة والضعف ولا على مبدأ السيادة والعبودية كما كان ينظر إليها المجتمع الجاهلي بل على مبدأ الإحسان. حتى هذه الفئة القرآن في سورة النساء أوصى بها إحسانًا فقوّض بذلك كل قيم المجتمع الجاهلي وذكرنا فيما سبق أن الجاهلية التي يعالجها القرآن ليس جاهلية فترة تاريخية أو زمن ولكنها جاهلية القيم جاهلية المبادئ الظالمة التي جاءت تقوّض قيمة العدالة والحرية والمساواة. أسّس القرآن لقيمة العدالة وجعل بالإحسان تلك الفضيلة الممتدة لكل فئات المجتمع وأقامها على عين التوحيد ثم بعد ذلك جعل حارسًا ورقيبًا عليها من ذات الإنسان وربطها بمحبة الله سبحانه ثم قال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) واختار القرآن أعظم وأخطر الصفات الإنسانية التي تنتشر حين يصبح الناس في جاهلية: الاختيال والبخل والأمر بالبخل والرياء والتعالي على الناس، قوّض تلك الصفات قوّض تلك الممارسات التي كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي آنذاك تعالي الإنسان على أخيه الإنسان وتغافله ونسيانه بأنه إنسان يشترك معه في الإنسانية، قوّضها القرآن بالتوحيد بالإيمان بالله سبحانه تأملوا (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) والمؤمن حين يأتي الإيمان والتوحيد فيبني قمة العلاقة فيه يحب محبة الله سبحانه، الإنسان المؤمن الموحد لا يرتضي سوى محبة الله عز وجلّ مطلبًا وغاية وإذا أراد تلك المحبة فهو لا ينال هذه المحبة من خلال التعالي على أخيه الإنسان لا على حلقة أقوى ولا على حلقة أضعف. القرآن يعطينا بُعدًا آخر لمفهوم القوة بُعدًا لم يعرفه أبدًا المجتمع الجاهلي، القوة الحقيقية التي يأتي بها القرآن هنا قوة الإحسان القوة المبنية على فضيلة الإنسان يصبح الإنسان أقوى في المفهوم القرآني حين يكون أقوى إحسانًا أكثر إحسانًا، يده تمتد بالإحسان لمن عرف ولمن لم يعرف، مفهوم جديد للقوة يخالف كل المفاهيم الجاهلية حتى الجاهلية التي نعرفها في عصرنا وفي زماننا التي طغت على المجتمعات المادية، التي فرضت ظلالها الكئيبة الحزينة السوداء القاتمة في ماديتها وعنصريتها على مجتمعاتنا. القرآن يقدم مفهومًا آخر للقوة قوة الإحسان، قوة العطاء، وينهي بذلك كل العلاقات المبنية على الاختيال والتفاخر الذي لا يليق بالإنسان المؤمن، الإنسان الذي يصوغه التوحيد لا يمكن أن يكون إنسانًا فخورًا أو متعاليًا على الآخرين مغترًا بما أنعم الله سبحانه وتعالى به عليه النعم: المال، الجاه، المكانة الاجتماعية ما هي إلا وسائل يفترض أن تقرّب الإنسان المؤمن لخالقه عز وجلّ ولا يمكن أن تكون في خضم الكلام والحديث عن التوحيد مسوغات أو مبررات لتعالي الإنسان على أخيه الإنسان. تدبروا معي كيف أقامت سورة النساء قيمة العدالة على عين التوحيد. والقرآن وسورة النساء بعد قليل ستحدثنا عن قيمة العدالة حين تطبق في علاقات الحاكم بالمحكوم في علاقات الدولة بالدول الأخرى، في علاقة الشعب بالشعوب الأخرى والأمم الممتدة، إذا كان هناك خيط من تفاخر أو غرور أو اختيال في نفس الإنسان لا يمكن أبدا أن تحقق العدالة التي أراد لها القرآن أن تتحقق فجاءت سورة النساء لتعالج هذه الصفات النفسية من جذورها وربطت تلك الصفات فقال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) إذا أردت محبة الله فعليك أن تتخلص من ذلك الداء النفسي الكامن في النفس التي تنظر إلى الآخرين بإزدراء أو باحتقار بسببب قلة مال أو جاه أو عنصرية مبنية على لون أو عرق أو ما شابه. ومما لا شك فيه أن هذه الصفات النفسية التي تأتينا الآن الدراسات الحديثة وتبين أن داء التكبر أو التعالي أو التفاخر يأتي من عقدة يشعر بها الإنسان بالنقص فيحاول أن يغطيها من خلال التفاخر أو التعالي أو الاغترار أو التظاهر على الآخرين.

ثم إن القرآن العظيم في سورة النساء يربط بعد ذلك فيأتي على صفة أخرى ذميمة وممارسة سلوكية خطيرة كفيلة بأن تهدم كل العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية: البخل، التقتير، المنع، الحرص الذي هو نابع من قبل الإنسان بناء على شعوره بأن ما وهبه الله من نعم أو مال أو ما شابه هو ملك له، صرف، لا ينبغي للآخرين أن يشاركوه فيها فيأتي القرآن في سورة النساء على ممارسة وصفة نفسية لا تقل خطورة عن قضية الاختيال والفخر: البخل، التقتير، المنع، والتي هي ممارسة عملية، الإنسان البخيل يمنع ما وهبه الله سبحانه وتعالى من مال من جاه من قوة من سلطان من علم عن الآخرين لأنه يتوهم أن ما أعطا الله سبحانه وتعالى من هذه النعم ملك صرف له وحده لا ينبغي للآخرين أن يشاركوه فيه ومما لا شك فيه أن هذا الشعور والإحساس كفيل بأن يحطم كل العلاقات الاجتماعية بما فيها العلاقة بين الزوج والزوجة. ولو نظرنا إلى واقعنا في أُسرنا اليوم لوجدنا أن كثيرا من المشاكل التي باتت تحدث اليوم بين الزوج والزوجة واحد من أهم أسبابها البخل، البخل من الجانبين أو من أحد الجانبين. لو أخذنا على سبيل المثال الجانب المادي: المرأة تعمل والرجل يعمل ولأن المرأة تعمل والرجل يعمل في كثير من الأحيان فالرجل ينظر إلى ما تنفقه المرأة والمرأة تنظر إلى ما ينفقه الرجل: أعطيتَ وأعطيتِ، أخذتَ وأخذتِ، وامتد بنا الأمر حتى إلى الحد الذي وصلنا فيه إلى حساب الكلمات والتعبير عن المشاعر، أصبحنا نحاسب بعضنا البعض على الكمّ في الكلمات وفي الجمل وفي المجاملات وفي العلاقات الإنسانية، أنت ابتسمت، فلان ابتسم وفلان لم يبتسم أو لم يسلّم، أو، أو…. لو بحثنا فعلا في جذور هذه الأمور اليومية التي باتت تحدث في محيط الأسرة أو في الزمالة في العمل أو في المجتمع لوجدنا أن واحدًا من أهم الدوافع لهذه الممارسات البخل لأن البخل لا ينحصر فقط في قضية المال البخل يصل بالإنسان إلى البخل بكل أشكاله وصوره، البخل حتى في التعبير عن المشاعر الإنسانية، البخل حتى في التبسم البخل حتى في العواطف في التعبير عنها والمواساة والمشاركة الوجدانية. منع العطاء بكل صوره وأشكاله وهذا ما لا يريده القرآن لأن أجواء البخل تحطّم العلاقات الاجتماعية والعلاقات الأسرية، إذا أردنا لعلاقاتنا الزوجبة وعلاقاتنا الأسرية وعلاقتنا المجتمعة أن تصح وأن تستقر وتهدأ وننعم جميعا بالسعادة في ظلها بحاجة إلى كم هائل من العطاء. وقبل الكمّ علينا أن نتفكر في القيمة التي تدفعنا إلى العطاء، نحتاج إلى نفوس معطاءة، نحتاج إلى نفوس تدرك أن العطاء لا يمكن أن يعود علينا بالنقص أو الائلاف بل على العكس تمامًا كلما ازددت عطاء كلما ازددت إحسانًا زادك الله سبحانه وتعالى قوة ومنعة ورزقًا حلالًا طيبًا حسنًا ورفعة في كل شيء، هكذا يعلمنا القرآن. وربما قائل يقول الآية لتي نزلت (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) [النساء: 37] آية نزلت كما ذكرت كثير من كتب التفسير في اليهود ولكننا تعلمنا من تدبر كتاب الله عز وجلّ أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وسياق الآيات ومقاصد الآيات الي نتحدث عنها في الكلام عن التدب  يعلمنا أن النهي الذي جاء في السياق عن البخل لما لهذا المرض النفسي الاجتماعي من أثر خطير في هدم العلاقات الأسرية والاجتماعية وأنا لا أرى أن مشاكلنا الأسرية زوجية كانت أو على الأسرة أو على المجتمع بأسره لا أراها تُحل في أروقة المحاكم وإنما أراها تحل في أروقة النفوس المفعمة بالإيمان والتوحيد. نحن لا نحتاج لمزيد من القوانين والتشريعات، كل التشريعات هنا في هذا الكتاب العظيم، نحن لا نحتاج إلى مزيد من التشريعات الدولية التي نستوردها من هنا ومن هناك لكي نحل بها الإشكاليات التي تقابلنا في محيط الأسرة أو العمل أو المجتمع بقدر ما نحن بحاجة إلى تصحيح العلاقة مع الله عز وجلّ ذاك التصحيح الذي سينعكس إيجابًا على علاقاتنا الأسرية والاجتماعية بكل تأكيد.

ثم تنتقل بعد ذلك الآيات العظيمة في سورة النساء لتعرض لنا داء خطيرا جدا داء كفيلا كذلك بهدم العلاقات الاجتماعية، داء عرفته الجاهلية ولا تزال الجاهليات المعاصرة تعرفه، داء الرياء. الرياء يعطي صورة وشكل العمل الصالح الخيّر ولكن هذا الشكل القرآن العظيم جاء ليعلمنا أن العمل الخيّر لا يقف فقط عند الشكل والصورة، العمل الخيّر الذي فعلا أراد القرآن أن تؤتى ثماره هو عمل يحفل بالمضمون وبالظاهر ولذلك كان لا بد من الاهتمام بباطن العمل، بداخل العمل. يقول الله عز وجلّ (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴿٣٨﴾) الآية بدأت بقوله عز وجلّ (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ) في إطار العلاقات الزوجية والأسرية والمجتمعية الفرد يحتاج إلى الإنفاق إنفاق المال لا يمكن أبدًا أن تصحح العلاقات بدون قدر من الإنفاق، إنفاق مادي حقيقي، إنفاق للمال. لذلك لو نظرنا وتأملنا في كثير من المبادئ والتعاليم النبوية لوجدنا إنفاق المال عنصر مهم جدًا فيها: الهدية، الإحسان إلى الجيران، الإحسان إلى الأقارب، الإنفاق، الصدقات، إنفاق مال. ولكن القرآن لا يريد مني إنفاقًا صوريًا فقط في الشكل، خاوي، فارغ لا تصاحبه سلسلة من العلاقات الإيمانية المنبثقة من التوحيد، لا تصاحبه سلسلة من المشاعر الإنسانية. وتدبروا لو ربطنا بين قضية الإنفاق الشكلي وما قاله الله عز وجلّ في سورة البقرة (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى) [البقرة: 263] لدينا صورتان متقابلتان: صدقة حقيقية بالمال، إنفاق ويقابلها قول معروف ومغفرة، مشاعر إنسانية، سلوكيات وعلاقات إنسانية، يا ترى أيهما أجدى نفعا للطرف الآخر حتى لو كان ذلك الطرف الفقير أو المسكين أو المحتاج؟؟  المسكين أو المحتاج؟ أيهما أنفع؟ أيهما أجدى؟ أيهما أقرب إلى مقاصد القرآن وقيم التوحيد؟ الصدقة والإنفاق بالمال، الجانب المادي أو الجانب الإنساني؟ قطعًا الجانب الإنساني ولذلك قال تعالى في سورة البقرة (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى). وهنا في هذه السورة وفي الآية العظيمة (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ) القرآن يريد منا الإحسان ويطلب منا الإنفاق بالمال ولكن ما يطلبه ليس إنفاقًا صوريًا شكليًا يريد منا إنفاقا حقيقيًا إنفاقا في المشاعر الإنسانية عطاء تجود به النفس البشرية الإنسانية التي صاغها التوحيد وليس عطاءً شكليًا فما قيمة أن يعطي وينفق الإنسان ولو حتى الآلآف والملايين من الدنانير والدراهم ولكن في نفس الوقت لا تصاحب ذلك الإنفاق مشاعر إنسانية عطاء، جود، حُبّ، إحسان، مشاعر؟! إذا كان الأمر لا يصاحبه ذلك العطاء الإنساني فقد الإنفاق مخزونه الذي أراد القرآن. والأمر كذلك في قضية الأسرة، والزوج والزوجة أراد الله سبحانه وتعالى أن تنبني العلاقات الأسرية والاجتماعية بينهما على عين العطاء النفسي، الرجل على سبيل المثال ملزم بالإنفاق وسورة النساء  وردت فيها العديد من الآيات قبل وبعد على قضية النفقة لكن أي نوع من النفقة؟ هل فقط النفقة المادية غير المصحوبة بالعطاء الإنساني والمشاعر الجياشة التي أراد القرآن أن يبنيها؟ أبدًا. النفقة في القرآن ليست نفقة مادية فحسب فالزوج حين ينفق على زوجته وأسرته وأبنائه المطلوب منه ألا يتوقف فقط عند الإنفاق المادي من مطعم ومشرب ومسكن وملبس وما شابه، المسألة ليست مادية لا بد أن يصاحبها عطاء نفسيا وجودا وسخاء في المشاعر والعواطف، هذا ما صنعته هذه الآيات العظيمة في النفس وكيف يصنع ذلك من قلب لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ينتظر العطاء من الآخرين؟! ولذلك الآية هدمت صفة الرياء القبيحة لأن الإنسان المرائي حين يعطي يعطي وهو ينتظر المقابل من الآخرين مدحا، ثناء، والقرآن العظيم يريد من الإنسان المؤمن أن يعطي ولكنه حين يعطي لا ينتظر المقابل أو الأجر من الآخرين، ينتظره من الرب الذي يؤمن به ولمنهجه ولتوحيده يخضع في حياته، نوع من أنواع التحرير للإنسان. ولذلك قلنا سابقا أن التوحيد جاء ليحرر الإنسان ليس فقط من عبادة الأحجار والأصنام ولكن كذلك من الخضوع للبشر وما يعطونه وما لا يعطون، الإنسان حين يتحرر من هذه الإشكالية يعطي بسخاء وهو بالضبط ما نحتاج إليه في عالمنا المعاصر.

ولذلك الآية التي تليها جاءت مباشرة بتفنيد الحجة النفسية التي يمكن للإنسان أن يبرر لنفسه قضية عدم الإنفاق أو البخل أو الرياء وهذه لفتة عجيبة تعالج عشرات الأمراض النفسية، كثير من الأزواج وكثير من الأفراد في محيط العلاقات الاجتماعية حتى بين الأقارب المشكلة الخطيرة في تلك العلاقات أنها أصبحت تقام على أساس المعاملة بالمثل: أعطاني أعطيه، سلّم عليّ أسلم عليه، وصلني أصله، منعني أمنعه والقرآن لا يريد هذا النوع من التعامل! يريد القرآن أن تقام العلاقات الأسرية والعلاقات الاجتماعية على محبة غير مشروطة عطاء غير مشروط بتعامل الطرف الآخر وهذا هو الإحسان. هناك شيء يسمى التعامل بالمثل أعطاني سأعطيه لكن هذا التعامل بالمثل إذا طبق في مجال العلاقات الزوجية والعلاقات المجتمعية يمكن أن يصل بها إلى مرحلة لا تستقيم بها تلك العلاقات، لا تدوم!. إذا منع على سبيل المثال القريب عن قريبه الفضل أو الإحسان أو السلام أو الزيارة أو التواصل الاجتماعي إذا قوبل المنع بمنع مثله السؤال إلى أين سنصل؟ لن نصل إلى أقل من القطيعة أبدًا بكل الأحوال هذا ما يحدث للأسف اليوم في كثير من المجتمعات. إذن القرآن يريد أن يرتقي بالنفوس المؤمنة إلى درجة أرقى، مستوى أعلى، هذا المستوى الأعلى لا يمكن أن يتحقق إلا بالإحسان والعطاء غير المشروط، العطائ الذي لا ينتظر المقابل من البشر بل ينتظر من رب البشر. وتدبروا هذه الآية (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴿٣٩﴾) تأملوا لو أننا طبقنا هذه الآية في محيط التعامل الذي تكلمنا عنه وماذا عليك لو آمنت بالله وأنفقت وأعطيت دون أن نتنظر المقابل من البشر؟ ماذا على الزوج أو الزوجة لو أنهم آمنوا أن الله سبحانه هو المعطي هو الرزاق وأنفقوا برًا وخيرا وإحسانا عطاء ماديا ومعنويا ماذا عليهم؟ ما الذي سيخسر الإنسان؟ ماذا ستخسر حين تعطي دون أن تنتظر المقابل من البشر، ماذا ستخسر حين تسلم حتى لو لم يرد عليك الآخرين التحية والسلام؟ ماذا عليك لو أنك وصلتهم حتى لو قطعوا ومنعوا؟ ماذا ستخسر؟ هل أنت بالفعل ستخسر أم ستربح؟ وتدبروا نهاية الآية (وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا) عليمًا بما تعطي عليمًا بما سيقابل ذلك العطاء، عليمًا بنفسيات الآخرين إن منعوا عنك العطاء وإن قابلوا إحسانك بالإساءة إن قابلوا عطاءك بالمنع. وتأملوا التناسب بين الآيات في السورة، الآية التي تليها (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿٤٠﴾) تدبروا كيف يعالج القرآن العظيم الشح في النفوس كيف يُطلق ويحرر تلك النفوس من جانب الشح والبخل إلى فضاء العطاء الواسع (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) يجعل التعامل الأسري والاجتماعي ليس تعامل علاقات بين فرد وفرد بين إنسان وآخر وإنما علاقات مبنية على تعامل بين إنسان وبين خالق سبحانه وتعالى ليحرر الإنسان من النظر إلى جزاء الآخرين أو انتظار الجزاء من الآخرين ويجعل الإنسان المؤمن لا ينتظر الجزاء إلا من الخالق سبحانه الذي لا يضيع ولو كان مثقال ذرة (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) الإحسان لا يضيع عند الله سبحانه وتعالى وإن ضاع عند الخلق وإن ضاع عند الناس وإن ضاع في محيط الأسرة وفي محيط الأقارب، وأنا أقول أحوج ما نحتاجه اليوم في الوقت الذي نعيش فيه هذه الآيات العظيمة لأن ما نمر به ظروف مختلفة على مستوى العالم جعلت ظاهرة الشح وانتظار المقابل من الآخرين ظاهرة عالمية بامتياز ولكن هذه الظاهرة ظاهرة الشح لو تأملنا فيها حقيقة لوجدنا أنها ما زادت من غنى الإنسان شيئا بالعكس زادت الإنسان المعاصر فقرا على فقره زادت الإنسان فقرا فعلا والفقر ليس فقط في المجال المادي وإنما حتى في المجال الإنساني أصبح الإنسان المعاصر أكثر شحا حتى في المشاعر الإنسانية، حتى في مجال التعاطف مع أخيه الإنسان والإحساس بآلآمه وأمراضه ومعاناته. ولو تأملنا لماذا وصلنا إلى حالة الشح العالمية هذه وما الذي أوصلنا إليه لوجدنا في كثير من الأحيان أن التعامل الإحسان المشروط بمقابل ما يتعامل به الآخرون تجاهنا هو الذي أدى بنا إلى هذه الحالة التي وصلنا إليها.

ثم إن القرآن عالج في آيتين بعد هذه الآية هذه الظاهرة الخطيرة التي هي بالفعل أخطر ما تكون على العلاقات الإنسانية بقوله عز وجلّ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴿٤١﴾) من الذي سيشهد على كل هذه العلاقات الإنسانية؟ الرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله سبحانه وتعالى بهذه القيم العظيمة، قيم العطاء غير المشروط، قيم الإحسان، قيم البذل، قيم الجود قيم الكرم قيم الإحسان التي غابت في كثير من المجتمعات الإنسانية عن مسرح الحياة فإذا ما غابت أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل وأنزل الكتب ليعيد للإنسانية إنسانيتها. هذه الآية العظيمة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) التي حين قرأها عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم التفت إليه فإذا به ينظر إلى عينيه عليه الصلاة والسلام تذرفان بالدموع وهو مستشعر عظمة المسؤولية الملقاة على عاتقه، عظمة الشهادة، الشهادة الخاتمة التي ختم بها الرسالات السماوية. ولو تأملنا في رسالته صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنها جاءت لتتمم مكارم الأخلاق جاءت بالإحسان جاءت بالعطاء غير المشروط العطاء الذي عاشه النبي صلى الله عليه وسلم واقعا في الحياة، عطاء النبي صلى الله عليه وسلم ما كان عطاء مشروطا، منعه أهله في مكة فأعطاهم، منعوه من الدعوة إلى الإحسان وإلى الحق وإلى الخير والعطاء فما كان منه إلا بعد سنوات أن يقابل ذلك المنع بالعطاء وأن يقابل تلك الإساءة بالإحسان وأن يقابل ذلك الصراع والنزاع والقطيعة بالبر والعفو والتسامح، هذه القيم التي شهد بها على كل الأمم وهي بالذات تلك القيم التي تبنيها سورة النساء لتشهد بها أمة القرآن على غيرها من الأمم. شهادة أمة القرآن على أمم الأرض وشعوبها لا تكون بالقوة المادية التي جاءت بها الحضارة المعاصرة وإنما ستكون بقوة الإحسان بقوة القيم بقوة العدالة بقوة السخاء الذي يحرر الإنسان من العبودية لنزواته وشحّه طغى عليه قيم الحضارة المعاصرة.

هكذا يعلمنا القرآن ويصور ويعطي لنا في خضم الحديث عن هذه القيم مشهدًا من مشاهد يوم القيامة (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴿٤٢﴾) أيّ كتمان؟ وأيّ حديث؟ وما مناسبة الحديث عن مشاهد يوم القيامة وهذه الصورة التي يحدثنا بها القرآن عن الجزاء في خضم الحديث عن العلاقات الاجتماعية والإنسانية؟ القرآن في خطابه لا يفصل بين الدنيا والآخرة يعطي للإنسان دائما وهو يحدثه عن العلاقات والسلوكيات الاجتماعية يعطيه البعد الأخروي ليقرب له صورة يوم القيامة ويجعل تلك الصورة صورة الجزاء حاضرة في واقعه حتى يستعذب العطاء. المؤمن الذي يعطي ولا يجد المقابل لعطائه عند البشر يا ترى ما الذي سيجعله يعطي أكثر فأكثر إلا استحضار تلك المشاهد العظيمة يوم القيامة المشاهد التي تفتح له جزاء العطاء ما تعطيه اليوم ستجده غدًا. وأولئك الذين يمنعون ويأمرون الناس بالمنع والبخل على كل المستويات المختلفة سيتمنون يوم القيامة أن تسوى بهم الأرض يتمنوا أنهم لم يكونوا أبدًا، هذه الصورة الحية تنبض بالحياة تدفع بالإنسان إلى مزيد من العطاء
والتحرر من كل قيم الشح والبخل والفردية وتعطي وتقدم قيم السخاء والعطاء في أبرز صورها وأعظم عطاءاتها.

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *