تدبر سورة البقرة -مقدمة

تفريغ سمر الأرناؤوط لموقع إسلاميات حصريًا

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الإنسان بطبيعته يعاني في كثير من الأحيان من مخاوف شتى، من هموم، من أحزان، من آمال، من آلآم، من قلق، من تطلعات وتشوفات إلى المستقبل، كل هذه المشاعر الإنسانية المعتادة تحتاج إلى إطار وإلى منهج يؤصّل للإنسان كيفية السير في هذه الحياة وفق كل تلك المشاعر والأحاسيس البشرية، يؤصّل للإنسان كيف يتعامل مع آماله وآلآمه مع مخاوفه وأحزانه وهمومه، مع ذنوبه ومع طاعته، منهج يسير عليه على هدى وهذا الهدى لا يمكن أن يتحقق إلا من خالق يعلم خفايا تلك النفس البشرية يعلم ما يحزنها وما يُسعدها، يعلم ما يضرّها وما ينفعها، يعلم ما يأتي لها بالخير والنفع والصلاح وما يأتي عليها بالشر والوبال سواء أكانت تلك النفس تعيش بمفردها أو تعيش في مجتمع أو تعيش في أسرة أو تعيش في أمة. السورة التي بين أيدينا اليوم هي السورة التي أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بتلاوتها وتعلمها، السورة التي قال: إن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلة (بمعنى السحرة). السورة التي وصفها مع آل عمران بأنهما الزهراوين يقول النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته لأمته بتعلم السورة التي بين أيدينا وإحقاقها في واقع حياتنا أفرادًا أو مجتمعات، يقول صلى الله عليه وسلم ” تعلموا القرآن” – وتأملوا كلمة تعلموا، التعلم لا يكون محصورًا فقط بتلاوة أو حفظ في الصدور، التعلم بمعنى التطبيق، التعلم بمعنى السير على المنهج الذي جاء في هذه السورة العظيمة – “تعلموا القرآن، تعلموا البقرة وآل عمران، تعلموا الزهراوين فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صوافّ تحاجّان عن صاحبهما، تعلموا سورة البقرة فإن تعليمها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البَطَلة. السورة التي بين ايدينا سورة البقرة مع آل عمران سماهما النبي صلى الله عليه وسلم الزهراوين لنورهما، لهدايتهما، لعظيم أجرهما. أوصى بتعلم هذه السورة، أوصى لأن آخذ الكلمات والآيات التي فيها لأجعل منها دستورًا أسير عليه في حياتي، أتعلم الآيات لأجل أن تجيب على أسئلتي، لأجل أن تعالج مخاوفي وقلقي وتأتي بالإجابات الصريحة على تطلعاتي وأشواقي وآمالي وطموحاتي، جاءت لتكون في قلبي وتكون في عقلي وتكون في حياتي وواقعي. سورة عظيمة هذه السورة التي بين أيدينا، سورة البقرة، السورة التي جاءت إجابة على السؤال والدعاء الملحّ الذي يلحّ به العبد على ربه في سورة الفاتحة حين يقول (اهدِنَــــا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ) فإذا بسورة البقرة تأتي وتفتتح بقوله عز وجل (الم ﴿١﴾ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾) تريد الهداية؟ وتطلب الهداية وتدعو لنفسك بالهداية؟ (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ) هذه هي الهداية، لا بد من العمل ولذلك لا يمكن أن يُفهم تعلم القرآن بعيدًا عن تطبيقه في الواقع، بعيدًا عن تنفيذه، لا يمكن أن يكون هناك انفصال أو شرخ بين أن أحفظ الآيات في قلبي، في صدري وأتلوها وبين أن لا أعيش تلك الآيات في واقعي وتعاملي وأخذي وعطائي وسلوكي وأخلاقي، لا يمكن أن يكون هناك شرخ. من هنا نستطيع أن نفهم لِمَ هذه السورة العظيمة مع آل عمران جاءت لتسمى الزهراوين: النور والهداية. والنور والهداية يمكن أن تكون هناك شمس أمامي في النهار ولكني إذا أغلقت النوافذ والمنافذ أمام نور الشمس هل أستطيع أن أرى نور الشمس وضياء الشمس؟! لا يمكن، لأني أغلقت المنافذ ليس لأن الشمس غير موجودة وليس لأن نور الشمس وضياءها غير موجود أو بعيد، أنا من أبعدت، أنا من أعلقت. وما يقال عن نور الشمس يقال هنا في هذا الحديث عن نور الزهراوين. البقرة ونور البقرة الموجود في هذه السورة العظيمة لا بد أن أفتح له منافذ عقلي وإدراكي وقلبي وإحساسي وحياتي لأجل أن ينفذ ذلك النور لأجل أن تمتلئ حياتي بالنور، يفيض بالنور، نور القرآن، نور البقرة على حياتي من خلال التعاليم، من خلال الآيات التي سنأتي على ذكرها في هذه السورة العظيمة، هذه أطول سورة في كتاب الله، هذه السورة التي فيها أعظم آية في كتاب الله، هذه السورة التي كان يمكث صحابة النبي صلى الله عليه وسلم السنوات الطوال لتعلمها كما ورد عن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلم السورة والعرب كلنا نعلم أنهم أمة حافظة فكان أسهل شيء عليهم أن يحفظوا الكلمات والحروف ولكن ما كان حفظ الكلمات والحروف مقصدهم، كان حفظ الآيات والتعاليم والأوامر في واقعهم وتطبيقها في مجتمعهم المقصد والغاية الأساس، وهذا معنى النور وهذا معنى أن تأتي هذه السورة مع آل عمران تدافع وتحاج عن صاحبها يوم القيامة، لماذا؟! الإنسان صاحب سورة البقرة الإنسان الذي حفظ السورة بقليه بحياته بسلوكه بتطبيقه لها فكان الجزاء من جنس العمل حفظته سورة البقرة لما حفظها في حياته، جاءت تشفع له وتدافع عنه يوم القيامة لما دافع عن أحكامها وأوامرها وتطبيقها في واقع حياته، الجزاء من جنس العمل. ليس هناك أي نوع من أنواع اللبس أو الوهم في فهم هذه الأحاديث العظيمة الواردة في فضل السورة العظيمة فإن أخذها بركة تفيض على الإنسان البركة تلقائيًا ولكن من خلال تعلمه وتطبيقه لذلك التعلم، التطبيق، الغاية الأساس من نزول القرآن العظيم نزل لأجل أن يُحفظ في الحياة، يُحفظ في دستوره في التعامل في الاقتصاد في الأسرة في الزواج في الخطبة في الرضاع في الطلاق كما سنأتي عليه في تفاصيله في مواضعه في سورة البقرة. ثم إن في سورة البقرة تلك الآية العظيمة التي سنأتي عليها في موضعها، هذه الآية التي هي أعظم آية في كتاب الله، هذه الآية التي لا يزال على الإنسان حافظ ولا يقربه شيطان إذا ما قرأ بها حين يأوي إلى فراشه، التخلص من المخاوف من القلق الذي يحيط بنا كبشر، نحن بشر تحيط بنا المخاوف، الوساوس، الشكوك، الأوهام من اشياء متعددة هذه المخاوف لا يمكن أن تبدد إلا من خلال شحنة إيمانية وقوة إيمانية دافئة، القوة الإيمانية في هذه السورة العظيمة وبخاصة في آية الكرسي حين يقرأها المؤمن وهو مؤمن بها وهو مستشعر لعظمة ما يقرأ مستحضر للآيات التي قرأ مستحضر لكل حرف في تلك السورة وفي تلك الآية. سورة البقرة تتألف من ثلاثة أجزاء: الجزء الأول منذ بدايته أقام دعائم الهداية، المقصد الأساس في السورة، السورة سورة هداية، سورة نور في الدنيا وفي الآخرة لأصحابها، لمن يقوم بحقها، أقام دعائم الهداية على التوحيد الخالص الصادق الذي هو مراد الله عز وجل ولذلك ابن القيم لديه كلمة جميلة يقول: إن كل آية في القرآن متضمنة للتوحيد شاهدة به داعية إليه. فالجزء الأول في سورة البقرة أقام دعائم الهداية على التوحيد وبيّن منذ البداية أن لا عمل يصحّ إلا حين يُبنى على ذلك التوحيد (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إيمان، توحيد، يقين. ثم قدّمت السورة العظيمة في الجزء الأول نموذجًا واضحًا، مثالًأ عمليًا لأمة من الأمم ما استطاعت أن تقيم التوحيد في حياتها وفق المنهج الرباني الذي نزل عليها أمة بني إسرائيل. أمة بني إسرائيل اختارها الله عز وجل وفضّلها على العالمين، فضّلها ليس بناء على قومية أو عِرْق أو ما شابه فالله سبحانه وتعالى العَدْل خلق الخلق والكل عنده سواء وإنما أوكل لتلك الأمة أمة بني إسرائيل مهم المنهج، التطبيق، أن تقيم التوحيد في حياتها وفق ذلك المنهج الذي أنزله على النبي موسى عليه السلام وبقية الأنبياء من بني إسرائيل. وتعرض الآيات في سورة البقرة في البداية قبل أن تقدّم النموذج مهمة الإنسان الخليفة الذي ما جاء على هذه الأرض ليلعب ويعبث، حاشا وكلا، وإنما (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ومهمة هذا الخليفة أن يقوم بالمنهج ويُتقنه في حياته وفي واقعه. ثم تعرض السورة في الجزء الأول مواقف متعددة متنوعة لبني إسرائيل في سياق التذكير لهذه الأمة، الأمة التي نزل عليها القرآن أول ما نزل، أمة العرب. هذا الكتاب الذي أنزله الله على هذه الأمة عرض لها نماذج من تعامل بني إسرائيل مع منهجهم، مع دعوة نبيهم موسى عليه السلام مع التوراة كيف تعاملوا، الرب سبحانه وتعالى أكّد هذه الوصية (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)) والوصية ليست لبني إسرائيل دون غيرهم، الوصية لكل الأمم، الوصية لهذه الأمة التي نزل فيها القرآن (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) والحديث عن القوة هنا يتضمن كل أشكال وأسباب القوة المادية والمعنوية حين تأخذ القرآن وتأخذ سورة البقرة وأوامر سورة البقرة خذها بقوة، خذها بقلبك، خذها بطاعة، خذها بخضوع وانكسار ورغبة حقيقية في تطبيقها في واقع حياتك ودافع عنها بقوة لأن المنهج يحتاج أن تدافع عنه. إذا كنت أنت مؤمنًا بهذا المنهج حق الإيمان عليك أن تدافع عنه، لأنك بطبيعة الابتلاء والحياة ستواجه أشكالًا من التحديات، أشكالًا من الصعوبات ألوانًا من الابتلاءات، إن لم تكن لديك القوة الكافية لمواجهة تلك التحديات إذن قطعًا ستفشل في أداء ذلك المنهج. وتأملوا الربط: سورة البقرة وآل عمران يأتيان يوم القيامة يحاجّان عن صاحبهما لأن صاحبهما دافع عنهما في الدنيا، دافع عن المنهج وربما دفع ماله وحياته ثمنًا لتطبيق ذلك المنهج. السورة تتحدث عن القتال كثيرًا، السورة تتحدث عن التضحيات، هذه التضحيات التي أوصى الرب عز وجل (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ (45)) هذه الوصية العظيمة لأجل مواجهة التحديات، الحياة ليست مفروشة بالورود، طريق الحياة وطريق تطبيقك للمنهج في حياتك وفي واقعك ليس مفروشًا بالرياحين والورود بل ربما يأتيك في بعض الأحيان العديد من الصعوبات والأشواك والصخور كيف ستواجه كل ذلك إن لم يكن في قلبك وفي حياتك سورة البقرة العظيمة وهذا القرآن العظيم الذي تحمله بقلبك وتدافع عنه بكل ما أوتيت من قوة؟! ولكن بني إسرائيل لم يتمكنوا من أخذ ذلك الكتاب بقوة، قالوا (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وترد الآيات في سورة البقرة في الجزء الأول مرة بعد مرة قضية العصيان الذي وقع في هذه الأمة إلى الشرك بأنواعه المتعددة، إلى عدم خلوص التوحيد، التوحيد القضية الأولى، ولذلك تقول عنهم الآيات (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (93)) عبادة العجل التي وقعت في بني إسرائيل، البعد عن التوحيد، التخبط، الزيف، الإنحراف عن المنهج، المماطلة في تنفيذ أوامر الله (قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وقالوا في آية أخرى (قُلُوبُنَا غُلْفٌ (88)) أُغلقت، وهي بالفعل قد أُغلقت، كيف أُغلقت؟ الآيات في سورة البقرة تحدثنا عن أشكال من العقوبات التي أصابت قلوب تلك الأمة التي ترنحت في القيام بمنهج الله سبحانه وتعالى وتنفيذه في واقع الحياة، قسوة (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ (74)) وغُلف وختم، لم كل هذه العقوبات على القلوب؟ لأن الإنسان حينما يُغلق قلبه أمام المنهج فإن العقوبة من جنس العمل! إذا أغلق الإنسان قلبه أمام آي القرآن العظيم ولم يسمح لها أن تنفذ وأن تغير في حياته وأن تصحح مساره وأن تهذّب سلوكه وأخقياته لا يمكن إلا أن يكون الإغلاق والختم والقسوة هو الجزاء المناسب لهذه العقوبة ولهذا العمل وهذا الصنيع وذلك ما حدث في بني إسرائيل. ثم خلص في نهاية الجزء الأول من جديد على موضوع التوحيد وأن التوحيد الخالص هو دعوة الأنبياء (قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)) هذه دعوة الإسلام، تسلّمت الأمة المسلمة التي نزل عليها القرآن المسؤولية العظيمة مسؤولية القيام بدعوة الأنبياء دون أن تفرّق بين أحد منهم وسواء آمن اليهود والنصارى أو لم يؤمنوا فنحن نؤمن بنبيهم بل هو نبينا وأنبياؤنا لا نفرّق بين أحد منه، الإسلام جاء ليكون الرسالة التي تختم، الرسالة الخالدة، الرسالة التي تحمي تراث الأنبياء جميعًا، الرسالة التي تحمي تعاليم اليهودية الحقة والنصرانية الحقة التي جاء بها الأنبياء من قبل (فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ) الهداية (وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)). هذا المنهج الرباني الواضح الأسس والمعالم بنته سورة البقرة في الجزء الأول في قلب المؤمن حين يؤمن ويتأكد أن لا يمكن أن تحق حقيقة الهداية في واقعي دون التوحيد، جدِّد التوحيد، التوحيد الذي هو مدار العلاقة مع الله عز وجل لا تستقيم العلاقة بدون التوحيد، ولا يكفي أن أشهد فقط أن لا إله إلا الله محمد رسول الله باللسان دون أن أشهدها في واقعي، دون أن أشهد بها في حياتي في تعاملي في عطائي في منعي في بيعي في شرائي في زواجي في طلاقي في الرضاع في السلوكيات التي تحكم أركان الحياة ونواحيها المتعددة، لا يمكن، لا بد أن يكون الواقع مصداقًا لتلك الشهادة حتى تدافع عني السورة حقيقة حتى يشفع لي القرآن. كيف يشفع لي القرآن وأُحتَسَب من أهل القرآن وأنا لا أدافع عن ذلك القرآن في واقعي، كيف؟! والدفاع لا يكون بالخطب الرنانة ولا بالأقوال وإنما بالأفعال وإنما بحماية تلك التعاليم العظيمة التي جاءت في القرآن العظيم وفي هذه السورة الكريمة المباركة. الجزء الثاني في سورة البقرة بدأ بالحديث عن القبلة وتحويل القبلة نحو المسجد الحرام وتحمل الأمة المسلمة التي نزل عليها الكتاب القرآن، الأمة الوسط، مسؤولية الشهادة على الأمم (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (143)) إذن هي الرسالة هي الأمانة هي تحقيق وحمل تلك الأمانة التي ضيّعها بنو إسرائيل من قبل ونحن بحاجة كأمة أن لا نضيّعها وما جاء في الجزء الأول من حديث عن بني إسرائيل إنما جاء في سياق التحذير لهذه الأمة من أن تقع فيما وقع فيه بنو إسرائيل من تضييع للأمانة من تضييع لذلك المنهج الرباني المنزل عليهم في التوراة في واقع الحياة وفي سلوكهم وتعاملهم. هذه الأمة تحملت تلك المسؤولية ولذلك الجزء الثاني واضح جدًا فيه التعاليم المختلفة الآيات التي تحدثت عن القصاص، الآيات التي تحدثت عن الدين، التي تحدثت عن الوصايا التي تحدثت عن الزواج عن الطلاق عن الحج عن الصيام عن العبادة ما تركت شيئًا إلا وتحدثت عنه، جمعت كل التعاليم جمعت كل الأوامر التي تقيم المنهج في واقع الحياة، التي لا يمكن لمجتمع أن يعيش بعيدًا عنها، ربي سبحانه وتعالى ما خلق البشر فوضى وما أراد لعباده أن يتركهم هكذا يعبثون ويلعبون ويجربون القانون تلو القانون والدستور تلو الدستور، أبدًا، ربي سبحانه وتعالى ما كان ليترك عباده هَملًا بلا منهج، ولذلك منذ اللحظة التي نزل فيها آدم ربي سبحانه وتعالى أعطى له ذلك المنهج فقال (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38)) إذن هو المنهج مرة أخرى وهذا المنهج هو الذي تتحدث عنه هذه الآيات العظيمة في الجزء الثاني من سورة البقرة. تكلمت آيات سورة البقرة في الجزء الثاني حتى عن العلاقة الخاصة بين الزوجين لتضع تلك العلاقة في إطار من تقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبته في السر كما في العلن وختمت في تلك الآيات فقال (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)) الرب بيّن سبحانه وتعالى بيّن الآيات أوضح المنهج أعطى التفاصيل (لعلهم يتقون) ما تركنا في الدنيا هكذا بلا منهج نتخبّط خبط عشواء لا نعرف أين نذهب ولا نعرف أين نتجه في الزواج أو في الأسرة أو في الطلاق أو الخلاف أو النزاع أو الصلح، أبدًأ، ما تركت السورة شيئًا إلا أوضحته وبيّنته، وأكّدت مرة بعد مرة وهي تسوق الآيات في مختلف مناحي الحياة أن ذلك المنهج لا بد أن يطبّق في إطار من تقوى الله عز وجل وأن الإنسان الضعيف الذي لا يأخذ تلك التعاليم ويطبقها على نفسه في حياته في قلبه في زواجه بين أفراد أسرته الصغيرة لا يستطيع أبدًا أن يطبّقها في مجتمعه، الأسرة الأكبر، المجتمع هو الأسرة الأكبر وأن الفرد الذي لا يستطيع أن ينتصر على نزعات نفسه وهواها لا يستطيع أن ينتصر على أحد ولا أن يهزم جيشًا ولا أن يهزم ذبابة لأنه فشل في الانتصار على نفسه وأهوائها ونزعاتها وما فيها من جنوح في بعض الأحيان نحو الشر والفساد، لا بد أن يتعلم وسورة البقرة تعلّم الإنسان من خلال الأوامر والنواهي كيف يتقي الله كيف يقول لنفسه (لا) حين ينبغي أن يقول لها (لا)، وعلى قدر ما تكون عظمة الله عز وجل في قلب ذلك المؤمن الذي تبنيه السورة في آياتها آية بعد آية على قدر ما يكون تعظيم ذلك الإنسان لأمر الله ووقوفه عن نواهيه ولذلك الكلام متواصل في السورة في الجزء الثاني عن (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا) (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا) لأنه على قدر ما تولّد في قلبي من توحيد وتعظيم لربي عز وجل الآمر الناهي على قدر ما يكبر ويتحقق ذلك الأمر في واقعي وفي حياتي، خشية الله عز وجل تبنيها سورة البقرة. ويأتي الكلام عن الجهاد في سبيل الله ليس من باب التسلط على شعوب العالم أبدًا أو إكراه العالم على الدخول في الدين، أبدًا، وإنما من باب آخر من باب إيصال الرسالة التي تحمي الإنسانية من غوائل وزيف الشر والفساد التي تقتلع بذور الشر والفساد في النفوس والأمم، لا بد لهذه الرسالة أن تصل وتصل بالحسن ولكن إذا اقتضى الأمر أن يكون هناك مواجهة فالمؤمن يواجه ولكن دون ظلم ولا اعتداء على أحد فالله لا يحب المعتدين بل يحب المتقين بل يأمر عباده بعدم الاعتداء على أحد. هذه التعاليم العظيمة التي جاءت في سورة البقرة ترتقي بنفوس العالم ترتقي بتلك الأمة التي نزل عليها القرآن أول ما نزل وكانت تقتتل لسنوات وسنوات فيما بينها على أبسط الأمور، على الماء والكلأ والأشياء المادية المحدودة. ربي سبحانه وتعالى أنقذها عمليًا وتاريخيًا من كل ذلك من ذاك التخبط، من ذاك النزاع من ذاك الصراع المحموم، أنقذها بهذه التعاليم العظيمة. وعالمنا اليوم الذي يعاني من كل تلك البؤر بؤر المحمومة بؤر النار والنزاع المادي الذي لم يأت للعالم بخير أبدًا، لا يمكن لهذا العالم أن تُتنزع وتُقتلع منه تلك البؤر إلا بالعودة إلى هذا المنهج الرباني لأنه منهج لا يحابي أحدًا، منهج من الرب لخلقه لا يفرق بين أبيض وأسود لا يفرق بين الناس بناء على أعراقهم وأجناسهم ولغاتهم لا يفرق بين الناس لا يفرق بين أحد لأن الخلق الرب هو الذي خلقهم جميعًا وخلق ذلك التنوع والاختلاف والتعدد بينهم وما أراد بهم إلا الخير حين أنزل ذلك المنهج حين أعطاهم تلك التعاليم الربانية وحين بيّن لهم وأوضح أن الهلاك في البعد عن هذا المنهج وأن النجاة في التزام ذلك المنهج وأن التزام المنهج لا يكون مجرد شعار أو خُطَب أو كلمات (خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ) خذ المنهج بقوة في حياتك في تطبيق كي تحقق المنهج وتُسعَد به وتُسعِد به من حولك. هذه هي رسالة سورة البقرة ولذلك ختم الجزء الثاني من سورة البقرة بقصة طالوت وجالوت ليبين معنى الثبات على الحق والصبر على تعاليم المنهج والتزاماته مؤكدًا سنة التمحيص والغربلة والتدافع بين الناس ليُحِقّ الله الحق بكلماته وعلى أيدي مَنْ؟ ربما تكون على أيدي فئة قليلة (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ (249)) ولكن لكي تغلب هذه الفئة من الناس لا بد أن ينتصر المنهج في نفوسها أولًا، في سرّها قبل أن يكون في العلن، لا بد أن تتخلص من أدواء النفس ونزعاتها وأنانيتها وتسلّطها ورغبتها في التسلط والجبروت والتكبر على الآخرين. فما كان لذلك المنهج ولا لأصحابه أن يرتقوا على أنفسهم وحياتهم إلا بتلك التعاليم وتطبيقاتها، ما كان لهم أن يرتقوا بعيدًا عن ذلك المنهج. ثم تأتي في بداية الجزء الثالث من السورة بالتأكيد مرة أخرى على أن دعوة الأنبياء واحدة وأن لا عداء بين الأديان على الإطلاق ولذلك في عصرنا الحاضر من يدّعي ويلعب على وتر أن ما يحدث من نزاعات إنما هو بين الأديان المختلفة هذا الكلام لا واقع له من الصحة على الإطلاق، الديانات الحقة السمواية جاءت برسالة واحدة (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الرسل جاؤوا برسالة واحدة رسالة التوحيد رسالة العدل إذن لماذا يحدث هذا النزاع وهذا الصراع؟ لما حدث من اختلاف في أتباعهم بعد ذلك، والاختلاف ما كان لأجل الدين وما كان لتحقيق رسالة الأديان ومنهج الأديان في الكون وإنما كان لأجل النفس وأطماعها ونزعاتها وأنانيتها ورغبتها في التسلط على الآخرين كما حدث في قصة طالوت وجالوت، المسألة لا يمكن أن تخرج عن ذلك الإطار. ثم تأتي الآية العظيمة أعظم آية في كتاب الله، تلك الآية التي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب[1]: يا أبا المنذر أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ فيقول أُبيّ: قلت الله ورسوله أعلم، قال أبا المنذر أيّ آية معك من كتاب الله أعظم؟ قال: قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم (آية الكرسي) قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدري وقال: ليهنك العلم أبا المنذر. آية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، تلك الآية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تُصبح. من أين جاء الحفظ في هذه الآية العظيمة؟ أعظم آية في كتاب الله، آية التوحيد، آية الكرسي هي آية التوحيد، الآية التي يتعرّف الله سبحانه وتعالى ويتجلّى فيها لعباده بصفاته فالقرآن كما يقول ابن القيم: كلام الله تجلّى الله فيه لعباده بصفاته. وفي هذه الآية العظيمة ربي سبحانه وتعالى تجلّى لعباده بصفاته في هذه الآية (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) وابن القيم لديه كلمة في هذه العبارات يقول: القرآن كلام الله وقد تجلى الله فيه لعباده بصفاته فتارةً يتجلى في جلباب الهيبة والعظمة والجلال فتخضع الأعناق وتنكسر النفوس وتخشع الأصوات ويذوب الكِبْر كما يذوب الملح في الماء وتارةً يتجلى في صفات الجمال والكمال وهو كمال الأسماء وجمال الصفات وجمال الأفعال الدالّ على كمال الذات فيستنفد حبه من قلب العبد قوة الحب كلها بحسب ما عرف ذلك العبد من صفات جماله سبحانه ونعوت كماله فيصبح العبد فارغ القلب إلا من محبته سبحانه وتعالى. وهذه الصفات نراها واضحة في هذه الآية العظيمة حين يقرأها المؤمن بقلبه قبل أن تتحرك بها شفتاه. (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)) صفات عظيمة صفات تولد في قلب المؤمن صفات التوكل على الله عز وجل تأخذ من كل هذه الصفات أعمال قلبية ولذلك يصبح الإنسان في حرز يتخلص من المخاوف الموهومة، الخوف من العين، الخوف من السحر، الخوف من الحسد، الخوف من الفقر، الخوف على المستقبل، الخوف على النفس، الخوف من المرض، الخوف على الأولاد، يُسقط عنه كل تلك المخاوف الموهومة بنور الإيمان حين يتجلى في قلبه، نور الإيمان بصفات الكمال والجلال لله الواحد القهار، وكلما شهد العبد هذ الصفات حين يقرأ هذه الآية العظيمة ولّدت لديه توكلًا على الله، شعورًا بالافتقار إلى الله سبحانه والاستعانة به دون سواه والذل والخضوع والانكسار له وهذا محض التوحيد والعبودية، هذا محض رسالة التوحيد العظيمة أن يشعر الإنسان أن لا حاجة له إلى أحد سوى الله سبحانه وتعالى فيخشع القلب لله تعظيمًا وإجلالًا وتوقيرًا ومهابة وينكسر بين يدي خالقه ويشهد نِعَم الله عز وجل فيخشع القلب فتتبعه الجوارح وتسير على هداه. القلب قائد، القلب يخشع حين يقرأ هذه الآية العظيمة بالقلب، بالإحساس، لا يبقى هناك خوف من أحد! تتبدد المخاوف وما أكثر المخاوف التي نعاني منها في وقتنا الحاضر! بعض الناس لا ينام بالليل من القلق، من الأرق، من الخوف ولكن من ملأ الإيمان بربه قلبه أيخاف أحدًا؟ أيخاف شيئًا؟! أيمكن لك أن تخاف شيئًا والله مولاك؟! أيمكن لك أن تخاف على رزقك ومن بيده ملكوت السموات والأرض لك ربًا؟! أيمكن ذلك؟! ولذلك جاءت الآيات التي تليها بعد (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) وبعد أن تعرّف الله سبحانه وتعالى وعرّف ذاته العليّة لخلقه بصفاته جاءت الآيات (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ) ماذا عليك حين يكون الله مولاك يتولى شؤونك يصرّف حياتك يدبر لك المستقبل كما دبر لك الماضي والحاضر يطعمك ويسقيك ويشفيك، يعطيك ويدافع عنك ويمنع عنك ويحفظك ويتولاك، ماذا عليك؟! أتخاف البشر؟! أيستقيم الخوف من البشر بالسحر بالحسد بالعين بالرزق بالمال بالوظيفة باي شيء، ايستقيم الخوف من البشر مع وجود هذه الصفات الإيمانية في قلب المؤمن؟! لا يستقيم. نعم المخاوف موجودة، نعم المخاطر موجودة لا أحد ينكر وجود هذه الأشياءلا أحد ينكروجود الشر لكن ما عليك أن تحرر قلبك منه هو الخوف من الشر، الشر موجود ولكن حرّر قلبك من الخوف ولا يمكن للقلب أن يتحرر إلا حين يخضع لخالقه عز وجل ويعبد الله سبحانه وتعالى حق عبادته وينكسر بين يديه ويستشعر بضعفه وفاقته وحاجته لخالقه وأنه في حمى مولاه وأنه في حفظ الله عز وجل وأن ما من شيء في الكون يحدث ولا حتى ورقة تسقط من شجرة إلا بعلمه، ربك عليم، ربك عليّ، ربك عظيم، لا تخاف، لا تخشى شيئًا، لا عليك، تخلص من المخاوف والأحزان. ويأتي السؤال الواضح هنا: لماذا التركيز في سورة البقرة على التخلص من هذه المخاوف والأحزان ولا يقربك شيطان والبيت الذي تُقرأ فيه سورة البقرة يفر منه الشيطان، لم هذا الحديث؟ الإنسان الذي تريد سورة البقرة أن تصنعه على آياتها إنسان حر، إنسان قوي، إنسان قادر على أن يلتزم المنهج الرباني في واقع الحياة ولا يمكن لإنسان خائف جبان متردد مليئة رأسه بالأوهام والوساوس والقلق والأرق لا يمكن لمثل هذا الإنسان أن يلتزم بالمنهج في الواقع، لا يمكن أن يأخذ هذا الكتاب بقوة، اليد الضعيفة المرتعشة من الخوف لا يمكن أن تأخذ الكتاب بقوة، الكتاب الذي يؤخذ بقوة لا بد أن تمسك به أيادٍ قوية أياد لا ترتعش من الخوف لا ترتعد من الشر، لا تخشى شيئًا، لا تخشى إلا الله الواحد القهار. من أين جاءت كل هذه الشحنة من القوة والدافعية؟ من إيمانها بخالقها، الرب الذي أنا أؤمن به يسيّر العالم بأسره، العالم كله بين يديه سبحانه، كل شيء خاضع لعظمته، شهود هذه المعاني في قلبي واضح المعنى تمامًا بتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم على قرآءة آية الكرسي صباحًا مساءً بعد كل صلاة لتتركز تلك المعاني في قلبي لأستشعر هذه المعاني، لأطمئن، لأشعر بالأمان، الأمان العملة المفقودة في عالمنا! تفنن الإنسان المعاصر في صنع الأقفال، في صنع أجهزة الحماية في صنع أشياء متعددة ولكن لا يزال أكثر المخلوقات خوفًا في الوقت الذي نعيش فيه، من أين يأتي الخوف؟ يأتي الخوف مع ضعف التوحيد في قلوب الناس، ضعف شعلة التوحيد، خفت وخبت تلك الشعلة العظيمة التي أضاءت العالم أمنًا وأمانًا ورحمة وعدلًا وسلامًا، المؤمن لا يخاف. صحيح هناك المخاوف العادية البشرية الطبيعية هذه لا تُلغى لكنه ليس بالجبان، ليس بالمتردد ليس بالخائف على حياته وأهله وماله، يعيش في قلق ولا ينام في بعض الأحيان ولا يسكن إلا بالمهدّئات، المؤمن ليس هكذا، المؤمن الذي سكن قلبه الإيمان الذي شهد قلبه معاني التعظيم والإجلال لله سبحانه وتعالى الذي تبنيه سورة البقرة وىية الكرسي أعظم آية في كتاب الله. ولذا ما أجمل الربط في آيات السورة العظيمة، كل آيات السورة مترابطة، بعد الحديث عن آية الكرسي وما صنعته في قلب المؤمن جاء الحديث عن الإنفاقـ دستور الإنفاق في سبيل الله لأن المؤمن الذي يخاف على المستقبل وعلى أمواله من النفاد وعلى ثروته من أن تبدد أو تضيع لا يمكن أن يبذل لا يمكن أن يضحّي لا يمكن أن يُعطي والمؤمن الذي تصنعه سورة البقرة إنسان معطاء يبذل الغالي والنفيس. يا ترى لماذا يبذل المؤمن الذي تصنعه سورة البقرة الغالي والنفيس؟ لأن السورة بآياتها تعلمه أن ما تنفقه الله يخلفه، أنا ما عندكم ينفد مهما زاد وما عند الله باق، ما عندكم ينفد وما عند الله باق وأن الإنفاق لا يمكن أن يقلل من المال وإنما الذي يقلل من المال حقيقة مخالفة المنهج الرباني الرب الذي أمرك بالإنفاق ضمِنَ لك أن لا يقلّ ذلك المال بل يزداد ويتضاعف أضعافًا مضاعفة ولذلك جاءت الآية بالمقابل (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ (276)) الربا مخالفة للمنهج الرباني مخالفة صريحة، الربا استغلال لحقوق الضعفاء، الربا عدم إنسانية، الربا عدم شعور بأني أنا إنسان عليّ أن أمد يد الخير والعون البذل والعطاء لمن هو أضعف مني وأقل مني قدرة فجاءت سورة البقرة وبددت تلك المخاوف والأوهام التي عانى منها ويعاني عالمنا المعاصر الذي اكتوى بنار الربا والفوائد في البنوك وأعلن إفلاسه أكثر من مرة والإفلاس ما كان إفلاس بنوك فقط بل كان إفلاسًا في النفوس وإفلاس قلوب ضيعت المنهج الرباني الذي أمر بالإنفاق وحرّم الربا ولذلك يقول (يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ) يمحقها بالفعل، الخير كل الخير في اتباعك للمنهج الرباني والشر كل الشر في مخالفتك للمنهج الرباني ولذلك ربي قال وعقّب في ختام الحديث عن آيات الربا بتحذير البشر (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ (279)) فإن لم تفعلوا بترك الربا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، حرب وهي حرب وما يعيشه عالمنا المعاصر اليوم حرب بكل المقاييس، لِمَ الحرب؟ مخالفة المنهج!. سورة البقرة تجيب عن أسئلتي، تجيب عن المعضلات التي دوخت رؤوس العالم اليوم، رؤوس العلماء والمفكرين والنقاد والمحللين سياسيين واقتصاديين واجتماعيين، لِمَ كل المعاناة في العالم المعاصر رغم كل التقدم التقني الذي نحن فيه والعلمي؟ لِمَ المعاناة؟ لِمَ زادت الحروب؟ لِمَ زاد الفقر؟ لِمَ زاد الشقاء؟ لِمَ زادت التعاسة؟ لم زاد الضنك؟ لم زاد التعب؟ لم زاد المرض رغم التقدم في وسائل الطب؟ هذه الأسئلة تجيب عنها سورة البقرة بطريقة واضحة لمن يتدبر في آياتها ويقف عند معانيها (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ) إذن هي الحرب! الحرب حين أنت يا إنسان تعلن الحرب على المنهج الذي أنزله الخالق إليك ليهديك وينقذك ليسعدك لا ليشقيك، ليعذيك لا ليمنعك ليهديك ليأحذ بيديك نحو الراحة التي تنشد نحو السعادة التي تروم، نحو النعيم الذي تتأمله ولكنك لا تدري كيف تصل إليه، هذه هي سورة البقرة. ثم تنتقل الآيات للحديث عن أبسط المعاملات المادية، الدَيْن، هذه السورة العظيمة تدخل في كل خلجات النفس فتداويها، في كل حركات الحياة الإنسانية فتعالجها وتضع البصمة الحقيقية عليها، بصمة التقوى. التقوى حاضرة في كل معاملات الحياة، في الدين في الكتابة في الشهادة في كل شيء. وتعود وتؤكد في ختام آيات سورة البقرة أن لا هداية للبشرية بعيدًا عن المنهج الرباني، لا هدايةعلى الإطلاق، لا يمكن أن يكون هداية. البعض اليوم في عالمنا يتساءل كيف السبيل؟ كيف النجاة؟ لا يمكن أن تكون النجاة بعيدًا عن المنهج الرباني الذي لم يكن مجرد شعار ولا مجرد كلمات تُحفظ في الصدور، الذي لا بد أن يكون واقعًا واقع يُطبّق سواء ذكرت أنك تطبقه أو لا، أنت تطبقه واقع تسير عليه واقع تمشي عليه. الأمانة لا تحتاج على سبيل المثال أن تضع شعارًا على رأسك تقول أنا أمين، أبدًا، الأمين لا يحتاج إلى شعار، الأمين يمارس الأمانة في حياته فيُعرف بأنه الأمين. النبي صلى الله عليه وسلم ما لقّب نفسه قبل البعثة بأنه الصادق الأمين ولكن قومه قالوا عنه الصادق الأمين لأنه عُرف بصدقه وأمانته، عاملهم بالصدق والأمانة. ولذا أنت اليوم حين تطبق المنهج الرباني لا تحتاج لرفع شعار وإنما الأخلاق والسلوك والمعاملة ستكون هي الشعار الحقيقي هي الصدى الحقيقي لما تؤمن به لما تشعر به ولا يهمك بعد ذلك إن قال عنك الناس أمين أو غير ذلك لأنك لا تفعل ذلك للناس وإنما تفعله لرب الناس الذي شهد سمعك وعقلك بالإيمان به وبعلمه سبحانه. وبعد الحديث تختم سورة البقرة بالدعاء العذب، الدعاء الذي يبين عجز الإنسان وتقصيره، شعوره بالانكسار بين يدي خالقه: يا رب أنا فعلت كل ما استطيع، فعلت جهدي (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) ولكن في نهاية المطاف أنا بشر تصدر مني أخطاء، يصدر مني نسيان (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) اعتراف قد يصدر مني خطأ أو نسيان لكن يا رب لا تؤاخذني بكل ذلك فهو خارج عن إرادتي ولكن الذي ليس خارجًا عن إرادتي فعلي في الواقع، تطبيقي، هذه الإرادة التي يطّلع الله عليها ولذلك جاءت بدايات الآيات في الدعاء في ختام سورة البقرة (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ (284)) لتُحكم مفهوم المراقبة الذاتية، مفهوم أن تراقب الله في سرّك، مفهوم أن تكون حريصًا على أن يكون سرك خيرًا من علانيتك، هذا الحرص لا يمكن أن يتحقق إلا حين تؤمن أن الله مطّلع على سرّك وأن السرّ عنده علانية (وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ) فطالما أن هذه المعاني قد استحكمت في ذاتي فإذن (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) قد يصدر مني خطأ معفو عنه وقد يصدر مني نسيان معفو عنه لأني لم أتعمد ذلك الخطأ، لم أتعمد المخالفة، لم أتقصد أن أخالفك يا رب في منهجك، قصدتُ الطاعة قصدت السير على المنهج ولكن قد تقع بعض الأخطاء. (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) هذا الإنسان الذي صنعته سورة البقرة بتعاليمها، الإنسان الذي يتعلم سورة البقرة الإنسان الذي يدافع عن سورة البقرة، عن الزهراوين وعن القرآن بماله وحياته لأجل أن يطبّق ما جاء فيها، إنسان يستحق بفضل الله أن تدافع عنه سورة البقرة يوم القيامة، يستحق أن تُظلّه سورة البقرة يوم القيامة في ذلك اليوم العصيب، في ذلك اليوم الذي يبلغ فيه الناس مبلغًا عظيمًا من التعب والجهد والحر والانتظار، في ذلك اليوم تأتي هذه السورة ومعها آل عمران “تقدمه سورة البقرة وآل عمران” يشفع يحاجّ عن صاحبه بحفظه ولذلك خذ القاعدة تمامًا: كلما ازددت حفظًا لكتاب الله في قلبك وحياتك وسلوكك زادك الله حفظًا في نفسك وفي مالك وفي أسرتك وفي عالك وفي مجتمعك. تريد الحفظ من الله؟ احفظ الله يحفظك، قالها صلوات الله وسلامه عليه لابن عباس رضي الله عنهما “احفظ الله يحفظك”. احفظ القرآن احفظ سورة البقرة بالتعاليم بالذكر الذي تكلمنا عنه احفظها في قلبك احفظها في سلوكك في تعاملك وأخلاقك يحفظك الله بها فالجزاء من جنس العمل. (رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) ولذلك هذه الايات من سورة البقرة هي التي جاء عن ابن عباس أنه قال: بينما جبريلُ قاعدٌ عند النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سمع نقيضًا من فوقِه فرفع رأسَه فقال: هذا بابٌ من السماءِ فُتِحَ اليومَ لم يفتح قط إلا اليومَ فنزل منهُ ملكٌ فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرضِ لم ينزل قط إلا اليومَ فسلَّم وقال: أبشِرْ بنوريٍنِ أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌّ قبلك فاتحةُ الكتابِ وخواتيمُ سورةِ البقرةِ لن تقرأَ بحرفٍ منهما إلا أُعطيتَه. الراوي: عبد الله بن عباس، المحدّث: مسلم – المصدر: صحيح مسلم – الصفحة أو الرقم: 806 – خلاصة حكم المحدث: صحيح. هذه الخواتيم العظيمة الخواتيم التي تُشعر الإنسان بحفظ الله سبحانه وتعالى له لأنه قد حفظ آيات هذه السورة العظيمة في حياته وواقعه في عمله وسلوكه في عطائه في زواجه في أسرته في مجتمعه، الحفظ والأمن والأمان والسلام والرحمة التي ينشدها العالم المعاصر اليوم ولا يكاد يجد سبيلًا إليها في هذه السورة العظيمة سورة البقرة.تدبر سورة البقرة – مقدمة – د. رقية العلواني

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *