تدبر آية: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء

.آية غيّرتني – (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) يوسف) – الاعتذار
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. صدور الخطأ من الإنسان أمر طبيعي، ما منا ومن أحد إلا وقد أخطأ ذات يوم، ليست الإشكالية الكبرى في أن نخطئ ولكن السؤال: يا ترى كيف نتعامل مع الخطأ حين يصدر منا؟ هل نمتلك شجاعة مراجعة النفس واتهام النفس بالتقصير وتحمل المسؤولية؟ أم أننا نتهرب من ذلك كله ونبرر لأنفسنا من خلال محاولة رمي وإلقاء اللوم على الآخرين؟! الإشكالية في الخطأ والتي يختلف فيها الناس هي: كيفية التعامل مع الأخطاء. والخطأ كما نعلم جميعاً قد يكون من قبل الإنسان لذاته وقد يكون خطأ مع الله عز وجل يُستدرك بالتوبة ويُصحح بالتراجع عن الذنوب والعزم على عدم العودة إليها، وقد يكون الخطأ مع الآخرين وهذا ما نريد أن نتوقف عنده اليوم. قد يحدث خلل في العلاقة بين الإنسان وغيره سواء من كان يجاوره في منزل أو في العمل أو حتى في الأسرة الواحدة، فيا ترى كيف نتعامل مع تلك الأخطاء؟ هل نبرئ أنفسنا ونصدر الأحكام السريعة على الآخرين بتحميلهم مسؤولة ما حدث؟ وهل هذا التصرف بتحميل الآخرين مسؤولية الخطأ الذي يقع بيني وبينهم هل هذا النوع من التعامل بالفعل يمكن أن يؤدي إلى إصلاح العلاقات؟ هل هو ما نحتاج إليه في علاقاتنا مع الآخرين؟ هل هو يمكن أن يقوي العلاقة بيننا وبينهم أم أنه يضعفها ويحوّلها إلى مجرد شكليات؟ ما هو الأصلح في هذ كله؟ هل الأصلح أن أراجع النفس وأحاول أن أبحث عن أسباب التقصير وأبادر بالتصحيح؟ أم الأولى أن أتهرب من ذلك كله وأبرئ نفسي وأتهم الآخرين!؟. القرآن كما تعودنا دائماً يراجع في الإنسان ويأخذ بيده ليراجع أعماق نفسه ويبحث عن القضية من كل الجوانب ويجعل الإنسان يتساءل مع نفسه ليصل إلى النتيجة. تأملوا في قوله عز وجل (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) يوسف). هذه الآية العظيمة التي جاءت على لسان زوجة العزيز كما ورد عند غالبية المفسرين تصور حالة إنسانية طبيعية، حالة إنسان أخطأ ولكنه بدأ يتعامل مع ذلك الخطأ بعيداً عن الشعور بالإعتزاز الأعمى بالذات والتعصب للنفس وللشخصية. (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي)، ثقافة الإعتذار، ثقافة التعامل مع الأخطاء لا يمكن أن تأتي من تلقاء نفسها، لا تأتي إلا عن طريق الإستشعار ومراجعة النفس ومحاسبة النفس بأني بالفعل صدر مني خطأ، ثم بعد أن أراجع وأكاشف نفسي بالخطأ عليّ أن أمتلك قدراً من الشجاعة بحيث أتحمل فيه المسؤولية عن خطأي. أنا أخطأت فما الذي يمنعني أن أتحمل مسؤولية ذلك الخطأ؟ ما الذي يمنعني من أن أعترف أمام من أخطأت في حقهم أني قد أخطأت وأني أعتذر؟ لماذا أصبحت ثقافة الإعتذار اليوم في زماننا مفقودة إلى حد ما؟! لماذا أصبحنا نربط بين الإعتذار وضعف الشخصية؟! لماذا أصبحنا نعتقد أن الشخص الذي يتراجع ويعتذر عن أخطائه أصبحنا نرميه بنظرة الإستخفاف ونظرة ملؤها التصور أن هذا إنسان ضعيف، إنسان لا يملك نفسه، إنسان غير مهتم بشأنه أو بذاته، غير معتز بنفسه. وهل الإعتزاز بالنفس كما يعلمنا عليه القرآن واحترام النفس تعني ألا أنظر لأخطائي؟! أن لا أرى أن تلك الأخطاء ممكن أن تصدر مني؟! الإنسان الذي يحترم فعلًأ ذاته ونفسه شجاع، إنسان يدرك أن الخطأ وارد تماماً ولكن ليس الإشكالية في ورود الخطأ ولا في صدوره كما قلنا، الإشكالية في قدرته على التعامل مع ذلك الخطأ، الإشكالية في تربيته وتنشئته على تحمل المسؤولية، على الإعتراف والتراجع، نجد في بعض الأحيان على مستويات مختلفة الكثير منا يتهرب من المسؤولية من خلال الجدال العقيم ومحاولة إقناع الطرف الآخر أنك أنت الذي أخطأت وليس أنا! في كثير من المؤسسات بما فيها المؤسسة الأسرية مؤسسة البيت والمنزل لا نجد فيها الكثير من إشعار الطفل والأبناء في محيط الأسرة أن الإعتذار سلوك حضاري يحتاج إلى شجاعة ويحتاج إلى احترام وتقدير للإنسان أولاً مع نفسه وثانياً مع الآخرين. ثقافة الإعتذار والشعور بتحمل المسؤولية تجاه الخطأ من أكثر الأمور التي نحتاج إليها في التعامل مع أبنائنا وبناتنا وطلابنا في المدارس وفي الجامعات. الإعتذار لا يعني ضعف الشخصية، لا يعني عدم احترام النفس، على الإطلاق! هو على العكس تماماً، الإنسان الذي يتراجع عن خطئه ويحاول أن يصحح ذلك الخطأ، هو يحاول أن يرفع عن نفسه الظلم الذي يمكن أن يقع فيه مع الآخرين. وكلنا يعلم عشرات الأحاديث التي قال بها النبي صلى الله عليه وسلم كلها تؤكد أن الإنسان الذي يأتي يوم القيامة وقد حمل معه مظالم الآخرين وقع في ظلم الآخرين ولو بكلمة ولو بظنّ سيء، هذا الإنسان يتحمل تلك الأوزار والأعباء يوم القيامة، فلم لا نتخلص من كل ذلك حين نراجع أنفسنا وحين نراجع تصرفاتنا وطريقة تفاعلنا مع الآخرين؟ حين نعترف حين يقتضي الأمر أن نعترف؟ حين نتراجع ونصحح الأخطاء؟ حين ندرك تماماً أن ثقافة الإعتذار سلوك حضاري تماماً، سلوك لا يقدم عليه إلا الشجعان، لا يقدم عليه إلا الإنسان الذي يحترم نفسه، لا يقدم عليه إلا الإنسان الواثق تماماً من قدراته المدرك أن ثقافة وجود الخطأ وصدور الخطأ وارد ولا يعني أبداً أنه هو إنسان فيه ضعف أو فيه خلل، فصدور الخطأ ليس بالشيء الملازم لشخصية الإنسان ولكن أمر طارئ كالغبار تماماً، يستطيع الإنسان أن ينفض عن نفسه الغبار كما يستطيع أن ينفض عن نفسه تراب الخطأ بالإعتذار والتراجع وتحمل المسؤولية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *