وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ


 

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. يقول الله عز وجل في كتابه الكريم (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ (165) البقرة) كم تسوقفني هذه الآية العظيمة (وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) تستوقفني حين أتأمل في نفسي وأتأمل فيما حولي وأتساءل أن يا نفس من ذا الذي يستحق الحب أكثر منه سبحانه وتعالى؟! من ذا الذي يستحق أن أُشغل بطاعته والعمل لديه أكثر منه سبحانه وتعالى؟! من ذا الذي يستحق أن يشغل أكبر حيّز في حياتي وتفكيري وخواطري، في ليلي وفي نهاري في قيامي وقعودي من ذا الذي يستحق أكثر منه سبحانه وتعالى؟! أتساءل في بعض الأحيان وأوجه شديد اللوم لنفسي، النفس البشرية التي تضعف وتعجز وفي بعض الأحيان يصيبها الفتور ويصيبها الملل ويصيبها الانشغال بأمور الحياة اليومية فتنشغل عن هذه الحقيقة (وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ). والحب هنا هو ليس فقط الشعور النفسي بأني أكيد أحب الله عز وجل أكثر من أيّ أحد، الحب كما يأتي تفسيره في سورة آل عمران (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي (31)) الحب الذي يولّد الاستجابة الطبيعية لدى الإنسان المؤمن، الحب الذي يولّد ذلك المبدأ سمعنا وأطعنا، الحب الذي يولّد المبادرة لكل ما يحبه الله ويرضاه، الحب الذي يولّد لدى الإنسان قوة دافعة دافقة للمسارعة والمسابقة في عمل الخير، الحب الذي يولّد نوعًا من أنواع السباق مع الزمن فيجعل الإنسان المؤمن وكأنه في سباق مستمر ودائم ومسارعة ومبادرة لعمل الخير. الحب الذي يدفع بي إلى أخذ زمام العمل، عمل الخير الذي يحبه الله ويرضاه حتى وإن تهاون الناس في الاقبال عليه، الحب الذي يجعلني أشتري الآخرة، الحب الذي يجعل الإنسان يخرج من هوى نفسه إلى ما يحبه الله ويرضاه، الحب الذي يهوّن على الإنسان صعوبة بعض العبادات، صعوبة القيام في الليل في أجواء باردة لأجل أن يصلي ركعيتين لله في جوف الليل، الحب الذي يجعل الإنسان يقوم فرحًا من منامه الدافئ لأجل أن يقف بين يدي خالقه سبحانه وتعالى ويصلي له، الحب الذي يجعل الإنسان يتذكر الخالق سبحانه وتعالى آناء الليل وأطراف النهار. هذا الحب الذي نعنيه. لكن يا ترى كيف تتولد معاني ذلك الحب؟ كيف أحب الله عز وجل؟ واحدة من أعظم وسائل استجلاب محبة الله سبحانه وتعالى والشعور بالحب له ابتداء التعرّف عليه سبحانه وتعالى، التعرف على آياته المبثوثة في الكون، ولذا كان التناسب واضحًا في هذه الآية في سورة البقرة والتي قبلها (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾ البقرة) الآية توجهني، القرآن يقودني شيئًا فشيئًا إلى حب الله، لا يمكن أن أحب الله عز وجل دون أن أتأمل في آياته وفي ذلك الكون العظيم الذي خلق، هذا الكون الجميل، هذا الكون الذي في كل ثانية وفي كل طرفة عين يقول لي أن من ورائه خالق خلق فأبدع وصوّر فجعل كل ما أبدع وصوّر آية تدل عليه سبحانه.  النظر في آيات الله المبثوثة فيما حولي يقودني إليه سبحانه، يقودني إلى محبته، استشعار عظمة الله عز وجل ورحمته في كل شيء، فيّ أنا (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) الذاريات) يقودني لمحبة الله سبحانه وتعالى، يقودني لتلك المحبة الصادقة وليست محبة الادّعاء، يقودني إلى الخضوع والانقياد والتسليم لأمره عز وجل، يقودني إلى الشعور أنه ما أمرني بأمر ولا نهاني عن شيء إلا لأنه يحبني، يولّد لدي هذه العلاقة، العلاقة حين تصبح بين العبد وربه علاقة محبة يتولد عنها الخضوع والانقياد لأمر الله عز وجل، تهوّن عليّ التكاليف، تهّون علي استشعار ما يستشعر به البعض من ثقل بعض التكاليف وإن كانت هي في الحقيقة ميسرة سهلة هينة ولكنها ميسرة على من يسرها الله عليه. هذا التيسير يحتاج إلى الشهور بحب الله سبحانه وتعالى والتقرب إليه وإحساسي أن ما أنعم الله علي به من نعم إنما هو لأجل حبه عز وجل وأن هذا الحب يفرض علي سلسلة من التكاليف، سلسلة من الالتزامات أمام الله عز وجل، صلاة، صيام، قيام بحقوق الآخرين، أداء الأمانات، وفاء بعهود وعقود، إحقاق الحق وإبطال الباطل، هذه السلسلة من الالتزامات إنما هي مقتضى الحب الطبيعي، فالواحد منا إذا أحب أحدًا من البشر تجده يستكين له بطريقة أو بأخرى، يلبي أوامره، يبحث عما يرضيه برحابة صدر بدون شعور بغضاضة في ذلك ولله المثل الأعلى (وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) حياتي تتغير حين أصبح أشد حبًا لله، كل ما أنا فيه يتغير، تقبلي للأمور، تقبلي للقضاء والقدر للأمور التي تجري في الحياة وأحيانًا تجري بما لا أحب، أحيانا يكون في ظاهرها شيء من المحنة تقبّلي لها يتغير لأنها جاءت بأمر وبمشيئة من الذي أحب من الذي هو أشد ما أكون له حبًا سبحانه وتعالى. اللهم إنا نسألك حبك وحبّ من يحبك وحبّ كل عمل يقربنا إلى حبك.آية غيّرتني
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *